قسوة طبيب

لمحة نيوز

روايات مشيره محمد 
قربت منه بصوت بترعش دكتور أرجوك قياسات الأم والبيبي فارقة كتير عن الطبيعي وخطر على حياتها. لازم نجهز لقيصرية فوراً قبل مااا
رد ببرود وقاطعتها أنا مشيره_محمد رئيس قسم الطوارئ هنا وأنا اللي أقرر.
أنا قضيت شغلي كله كطبيبة في الطوارئ بعرف علامات الكارثة قبل ما تحصل.. والمشكلة إني المرة دي شايفاها بتحصل جوا جسمي أنا!
ساعتها اتكلمت بصوت مكسور يا شريف.. الرحم مش قادر يستحمل الضغط ده كله، البيبي مش عارف ينزل.. أرجوك بلاش اللي بتعمله ده مشيره_محمد
بصلي أخيراً، بس ما كانش في عينيه أي رحمة ولا حب، كان كل اللي فيها مضايقة وقرف. وقال ببرود يا أمل، بلاش تمثلي وتعملي حركات الدكاترة بتاعتك دي وتدخلي في شغلي.
كل كلمة منه كانت بتوجع أكتر من ألم الولادة نفسه.. مش عشان بيشكك في كلامي كدكتورة، لا.. عشان بايعني وغايب عن الوعي تماماً! الراجل اللي كان بيفاخر إنه اتجوز دكتورة قد الدنيا، بيتكلم معايا كأني واحدة مش فاهمة أي حاجة.
في الوقت ده دخلت سارة الممرضة الجديدة، ودموعها في عينيها بصورة ملعوبة ومكشوفة وقالت دكتور شريف.. بلاش تزعل من دكتورة أمل، هي بس خايفة...
شريف أول ما بص لسارة ملامحه هديت النظرة دي أنا مشفتهاش في عينيه ليا من زمان. في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت.. مش عضم ولا عضلة، حاجة أصعب بكثير إنها تتصلح.. سبع سنين ثقة وحب هانوا عليه في لحظة روايات مشيره محمد 
وقف وقال للممرضات بحزم ثبتوها مكانها وما حدش يتحرك.
الممرضات ترددوا، وواحدة بلعت ريقها بالعافية وقالت يا دكتور.. ده ضد البروتوكول تماماً وفي خطر عليا وعليها!
رد بقسوة لو حصل أي حاجة أنا اللي هشيل المسؤولية.
ما حدش قدر ينطق.. وأنا في اللحظة دي بطَلت أترجى، وبطَلت أشرح، وبطَلت أتمنى إن شريف يفتكر إني مش مجرد مريضة، إني مراته! كل الطاقة اللي فضلت معايا جمعتها في دعوة واحدة بس يا رب.. احمي ابني وخليه يعيش مشيره_محمد
بصيت في وشه للمرة الأخيرة بتمنى يحس باللي بيعمله، بس ملامحه جمدت أكتر وقال بمنتهى الجفا لو كنتِ بذلتِ المجهود ده في الدفع بدل التمثيل، كان زمان ابننا شرف من بدري روايات مشيره محمد 
بعدها بثواني.. صريخ ضعيف جداً ملا الأوضة.
الممرضة وشوشت ده... ولد.
وفجأة! أجهزة القياس بدأت تصرخ، وصوت جهاز القلب طلع النغمة المستمرة المرعبة اللي بتعلن إن القلب وقف..
الضغط نزل للصفر، والأوضة اتقلبت رأس على عقب، وشريف واقف متثبت في مكانه كأنه مش مستوعب الكارثة اللي عملها وإنه أدرك أخيرًا إن كل حاجة باظت وراحت للمكان اللي مفيش منه رجوع...

روايات مشيره محمد 
توقفت شاشات المراقبة عن النبض. النغمة المتصلة ذات الصفير الممتدذلك الصوت الذي طالما سمعتُه في أروقة الطوارئ وعرفتُ أنه يعلن نهاية الحياةكان يصرخ الآن لحسابي أنا مشيره_محمد
كانت الغرفة تموج في حركة عشوائية، ألوان الضوء الأبيض تنعكس على السقف كأنها أطياف متداخلة. الممرضات يهرولن، أكياس المحاليل تترجرج، وأنا... كنتُ أبتعد. الصوت بدأ يتضاءل، والبرودة تسري من أطراف قدمي متجهة نحو صدري.
وفي وسط ذلك الضياع، كان وجه شريف هو الشيء الوحيد الثابت.
وجهه الذي غاب عنه التجبر فجأة، وتلاشى منه ذلك البرود الزائف ليحل محله ذهول مرعب. بصرتُ عينيه وهما تتسعان، يديه اللتين طالما افتخر بهما كجراح لا يخطئ كانت تتزلزلان وهو ينظر إلى بقع الدم التي غمرت أسفل الفراش.
أمل؟
همس بها. لم تكن نبرة الطبيب علي، ولا نبرة الزوج المستبد. كانت نبرة طفل أدرك للتو أنه ألقى بلعبته الثمينة من الحافة ولن يستطيع إعادتها.
تجمعت الممرضات حول رأسي. إحداهن صرخت الضغط مش ملموس! هبوط حاد في الدورة الدموية! نزيف حاد بعد الولادة بسبب تمزق الرحم!
ركضت الممرضة الكبيرة نحو جهاز الصدمات، بينما كانت سارةتلك الممرضة الجديدة التي ظل يستمع لوسوستها طوال الأشهر الماضيةتقف عند زاوية الغرفة، يدها على فمها، وجهها شاحب كالجثث، وقد اختفت من عينيها تلك الدموع المصنوعة التي كانت تستجدف بها عطف شريف.
أردتُ أن أبتسم، لكن شفتي لم تستجيبا. أردتُ أن أقول له ألم أخبرك؟ ألم أقل لك إن الرحم لن يتحمل؟ ألم أطلب منك أن تتعامل معي كطبيبة تفهم جسدها، أو على الأقل كزوجة تتألم؟
لكن حنجرتي كانت مليئة بطعم الحديد. طعم دمي.
هاتوا أنابيب نقل الدم فوراً! افتحوا المحاليل على الآخر! صرخ شريف فجأة، وصوته يشوبه ينشاج مشروخ. قفز نحو السرير، أمسك بوجهي بين يديه الباردتين، ووجهه يميل فوق وجهي أمل! بصيلي! افتحي عينيكي يا أمل! أنا آسف... أنا آسف، طلعي الصوت، اتكلمي!
كانت دموعه تسقط على وجنتي. دموع متأخرة جداً. دافئة، لكنها لم تعد قادرة على تدفئة الجليد الذي يسري في عروقي.
أغمضتُ عينيّ. انقطعت الخيوط التي تربطني بالعالم روايات مشيره محمد 
في المجهول
لا أعلم كم من الوقت مضى. هل كانت دقائق؟ أم ساعات؟ أم سنوات؟
كنتُ أسبح في فراغ هادئ، خالي من الألم، خالي من انقباضات الرحم التي كانت تمزق أحشائي، خالي من الخيانة والتجاهل. لم يكن هناك سوى صوت واحد يدعوني للعودة... صوت بكاء خافت، ضعيف جداً، كأنه صادر من أقصى النوبة.
ابني...
تذكرتُ الصرخة الخافتة التي سمعتها قبل أن يظلم العالم. ذلك الطفل ذو الأربعة كجم الذي أصرّ شريف على أن ألدَه طبيعياً ليرضي كبرياءه ويُثبت لسارة
 

تم نسخ الرابط