تقاعد.. روايات_مشيره_محمد
روايات_مشيره_محمد
سكت حازم على الناحية التانية من الخط لثوانٍ معدودة. الصمت اللي ساد الموبايل كان ثقيل، يخنق، يسبق العاصفة. كنت سامعة صوت أنفاسه المكتومة وهي بتتحول من الثقة المطلقة للارتباك، لكنه سرعان ما حاول يسترجع نبرة الاستعلاء والسيطرة اللي تعود يمارسها على بنتي.
رد بصوت تحول لفحيح حاد، ومملوء بالتحدي: "تسجيل؟ أنتي فاكرة الحركات الرخيصة دي ممكن تخوفني يا ست أنتي؟ أنتي ما تعرفيش أنتي بتتكلمي مع مين! أنا حازم الشناوي، شريك في أكبر مؤسسة قانونية في مصر. أي حتة تسجيل ملهاش أي قيمة قانونية من غير إذن نيابة، وممكن ألبّسكم قضية انتهاك حرمة حياة خاصة وأخليكم ما تشوفوش الشمس!"
ابتسمت ببرود شديد، ونزلت الموبايل شوية وصوت التسجيل المستمر بيعد الثواني على الشاشة: "القانون اللي بتتكلم عنه أنا درّسته للأشكال اللي شبهك يا حازم. والتسجيل ده مش بس حماية، ده توثيق للتهديد الصريح ومحاولة التعدي على قرار النيابة بأمر الحماية الطارئة الصادر حالا لصالح ندى ومريم. تحب أمليك رقم المحضر والرقم المرجعي ولا تحب تسمعه بنفسك لما المحضر يوصلك في المكتب بكرة الصبح؟"
سمعت صوت نفخة غضب مكتومة، وبعدها صوت حاجة بتتكسر عنده في الاوضة. كان واضح إنه ضرب إيده في المكتب أو رمى حاجة.
صرخ بصوت طالع من بين سنانه: "ندى! هاتي ندى تتكلم! أنتي ست خرفانة ومش فاهمة أنتي بتلعبي مع مين! ندى، لو ما رجعتيش مريم البيت خلال ساعة، قسم بالله لأرفع عليكي قضية زنا، وهجيب شهود يثبتوا إنك غير متزنة عقلياً، وهرميكي في الشارع ومش هتشوفي البنت تاني طول عمرك!"
ندى كانت قاعدة جنبي على السرير في المستشفى، جسمها كله بيرتعش، إيديها اللي ماسكة إيد مريم النايمة كانت بتترعش بطريقة تصعب على الكافر. دموعها كانت نازلة بسكوت، والصدمة والرعب كانوا شالين حركتها. مريم كانت غرقانة في النوم بعد اليوم الطويل والبهدلة، لافة دراعاتها الصغيرة حوالين لعبة دبدوب قديم.
مسكت إيد ندى وقرصت عليها بقوة عشان أسترد تركيزها، وبصيت في عينيها بثبات وهمست لها: "ما تخافيش.. الحق معاكي والأيام الجاية بتاعته انتهت."
رجعت الموبايل لودني وقلت له بكل هدوء: "التهم المعلّبة والتهديد بالشهود الزور دي أساليب الجبناء يا حازم. والمستشفى هنا وثّق كل حاجة، من أول الكدمات القديمة اللي في ضهرها، للعلامات الجديدة اللي في دراعها ووشها. التقرير الطبي مطلع إثبات اعتداء جسدي جسيم مع توصية ببدء تحقيق جنائي. البلاغ اتقيد خلاص في قسم الشرطة، وتصريح النيابة بنقل الحضانة المؤقت لندى اتوقع من دقائق."
"تقرير طبي؟" ضحك حازم بصوت عالي، لكن ضحكته كانت مكسورة، فيها نبرة هلع بيحاول يداريها. "تقرير طبي من أنهي مستشفى؟ أنتي فاكرة إن شوية ورق في مستشفى عام هيغيروا حاجة؟ أنا زمايلي في النيابة العامة والقضاة أصحابي، والتقرير ده هيتحفظ في ثواني! أنا هعرف أوصلكم، ومش هسيبك يا ندى.. أنتي ملكي، والبنت دي بنتي أنا!"
وقبل ما أرد، قفل الخط في وشي.
الهدوء ساد الأوضة تاني، باستثناء صوت جهاز قياس النبض المتوصل بدراع ندى. بصيت للشاشة لقيت التسجيل اتسيف خلاص.
ندى رمت نفسها في حضني وبكت بصوت مكتوم: "يا أمي.. هو مش بيكذب.. هو فعلا يعرف ناس كتير أوي، كان دايماً بيفكرني إن ماليش أمل، وإن أهلي غلابة ومحدش فيهم يقدر يقف وش عيلة الشناوي.. كان بيقولي لو مشيتي هسجنك وهسجن أمك وأخوكي.. أنا خايفة على مريم أوي يا أمي.. خايفة يأخدها مني!"
ضميتها لصدري بقلب بيتحرق، وحسيت بكل لحظة وجع عاشتها بنتي بعيد عني طول التلات سنين اللي فاتوا. التلات سنين اللي كانت بتجيلي فيها وبتحاول تبتسم وتداري وشها بالمكياج وتقولي "أنا كويسة يا أمي، حازم مشغول شوية بس في الشغل". كانت خايفة عليا، وخايفة على نفسها، وعاشت في سجن نفسي وجسدي تحت تهديد راجل مريض بالسيطرة.
قلت لها وأنا بمسح على شعرها: "اسمعيني كويس يا ندى.. العيلة دي ولا غيرها يقدروا يقفوا قصاد الحق. الراجل ده كان بيستغل خوفك وقلة حيلتك وعزلتك عنه. كان فاكر إنك لوحدك. لكن دلوقتي الموضوع اتغير. حازم الشناوي فاكر إنه بيكلم ست كبيرة غلبانة جاية من الإقليم ما حيلتهاش حاجة. هو ما يعرفش أنا مين، وما يعرفش أنا قضيت عمري فين."
رفعت وشها وبصتلي بعيون حمرا ومليانة تساؤل: "أمي.. هو أنتي بجد هتقدري تقفي قدامه؟ ده محامي كبير ووراهم نفوذ.."
ابتسمت لها ابتسامة ثقة وارتياح: "يا ندى، أنا قضيت 30 سنة من عمري على المنصة، شفت فيها أشكال وألوان من اللي فاكرين نفسهم فوق القانون، وشفناهم وهما بيتساقوا للكلابشات في الأخر لما العدالة ترفع سيفها. حازم مخدوع بالأسماء واللقاب، وميعرفش إن الست اللي بيستخف بيها دي هي المستشارة ماجدة عبد الرحمن، رئيسة محكمة الجنايات السابقة. اسمي اللي كان بيترعش منه الكبار في المحاكم مش اسم 'إيفلين' ولا الألقاب اللي بيحاول يتخيلها. أنا سبت المنصة وطلعت معاش ورجعت لبيتي وحياتي الهادية، بس ده ما يعنيش إن سيفي اتثلم."
ندى شهقت بصدمة وهي بتفتكر حياتي القديمة واللي كنت بداريه بحرص عشان أحمي عيلتي وخصوصيتي بعد ما تقاعدت.
كملت كلامي بثبات: "بكرة الصبح، الشغل الحقيقي يبدأ. التقرير الطبي اتثبت، والنيابة هتبدأ تحقيقاتها. والتسجيل اللي سجلته ده هيترفق في المحضر كمحاولة تهديد وإعاقة تنفيذ أمر