كامله لمشيره محمد

لمحة نيوز

روايات_مشيره_محمد

وقفت مكاني متسمرة، صباعي كان هيلمس أكرة الباب اللي بتتحرك بالراحة، بس رجلي اتسمرت في الأرض. الصوت كان صوت بابا بالظبط، نبرته وهدوءه، بس كان فيه نغمة غريبة.. حاجة زي رنة مكتومة خلت شعر جسمي يقف.

​رجعت خطوة لورا، وقلبي كان بيدق في صدري زي طبول الحرب.

"مريم.. افتحي الباب، خلاص الموضوع انتهى"، الصوت اتكرر تاني من ورا الباب.

​سحبت نفس بالعافية ووشوشت وأنا صوتي بيترعش: "بابا؟ أنت لوحدك؟"

​السكوت ساد لثانيتين.. ثانتين كانوا أطول من العمر كله. وبعدين أكرة الباب اتنفضت بقوة، وصوت رزعة عنيفة خلت الخشب يزيق: "افتحي يا مريم بدال ما أكسره!"

​المرادي الصوت مكنش صوت بابا.. كان صوت راجل تاني، خشن، مليان غل وعصبية. صرخت وحطيت إيدي على بقي، وجريت استخبيت ورا السرير، انكمشت على نفسي وجسمي كله بيتفاض.

​في لحظة، سمعت صوت خبط ورزع جامد تحت في الصالة، صوت كراكيب بتتكسر، وبعدها صوت بابا جاي من بعيد، زعيق مكتوم كأنه بيعافر مع حد: "سيبها! مالمهاش دعوة يا حسام.. الموضووع بيني وبينك!"

​وجاه رزع تاني على أكرة الأوضة فوق، بس المرة دي الباب المتقفل بالمفتاح استحمل. سمعت خطوات جري سريعة نازلة على السلم، وصوت حد بيصرخ، وبعدها.. صوت إطلاق نار!

​"ببببباااابااا!"

​الصرخة طلعت من قلبي قبل ما أستوعب. نسيت خوفي، نسيت تحذير بابا، وجريت على الباب. أيديا كانت بتتفاض وأنا بحاول ألف المفتاح اللي كان معصلج. أخيراً الباب اتفتح، وخرجت أجرى على السلم زي المجنونة.

​الدنيا تحت كانت عبارة عن كابوس.

​الصالون متكسر، الفازات حتت على الأرض، والستاير اللي بابا كان قافلها بقالها أسبوع مقطوعة. وعلى الأرض، قبال المطبخ، كان بابا واقع، ماسك جنبه وإيده مليانة دم، وجنبه راجل تاني ضخم، لابس جاكيت جلد أسود ومطاطئ راسه، وبينزف من رجله وبياخد نفسه بالعافية.

​"بابا!" جريت عليه واترميت في حضنه. الدم كان دافي ومأغرق قميصه الأبيض.

بابا بصلي بعيون غايمة، وشفايفه بتترعش: "ليه.. ليه نزلتِ يا مريم؟ قولتلك خليكي فوق.."

​"مش هسيبك يا بابا! مش هسيبك!" دموعي كانت نازلة بتغرق وشه.

​الراجل التاني اللي كان واقع على الأرض قعد بالعافية، وكان ماسك طبنجة في إيده، وبصلي بابتسامة مرعبة مليانة شر: "أهلاً يا حلوة.. أخيراً شفنا بنت حاتم بيه.. البنت اللي أبوكي ضحى بكل حاجة عشان يسكتها ويخبيها."

​بابا حاول يقوم، كح دم وقال بصوت مقطوع: "سيبها يا حسام.. الفلوس كلها عندك.. الخزنة مفتوحة.. خد اللي عايزه واطلع برة حياتنا!"

​الراجل اللي اسمه حسام ده ضحك ضحكة متقطعة مليانة غل: "فلوس؟ أنت فاكر الموضوع موضوع فلوس يا حاتم؟ أنت فاكر لما تسرق الورق وتلغي الصفقة وتفكر تبلغ البوليس، هنسيبك تعيش هادي في بيتك؟ الورق فين يا حاتم؟ الورق اللي يودي الكبار كلهم في داهية فين؟"

​أنا مكنتش فاهمة حاجة. ورق إيه؟ وصفقة إيه؟ بابا طول عمره موظف بسيط في شركة مقاولات كبيرة، ماليش غيره ومالوش غيري من يوم ما أمي ماتت وأنا عندي سبع سنين. كنا عايشين على قدنا، هاديين، مابندخلش حد بيتنا ولا بنتدخل في حد. إيه اللي جاب الناس دي هنا؟ وإيه السر اللي بابا مخبيه عني؟

​حسام وجه الطبنجة ناحية بابا وقال: "قدامك خمس ثواني.. تقولي الهارد والورق فين، يا إما هبدأ ببنتك.. هخليك تشوفها بتموت قدام عينك قبل ما ألحقك بيها."

​"حسام.. أرجوك.." بابا كان بيتوسله، وعينيه كانت مليانة رجاء وعجز يكسر القلب.

​"واحد.. اتنين.." حسام بدأ يعد، وصباعه بدأ يضغط على الزناد.

​أنا غمضت عيني واستسلمت للرعب، وحضنت بابا بأقوى ما عندي. وفجأة.. صوت سرينة بوليس عالية جداً ضربت في الشارع برة!

​الأضواء الحمرا والزرقا غطت الشبابيك، وصوت ميكروفون برة زأر: "المكان محاصر! ارمي السلاح واطلع وإيدك على رأسك!"

​حسام اتوتر، وشه اتغير وبص ناحية الشباك بغضب: "يا ابن الـ... عملتها وبلغت؟"

​وفجأة، الباب الخلفي للمطبخ اتكسر، ودخل منه تلات رجال بشرطة ملابس مدنية وسلاحهم مرفوع: "اثبت مكانك! ارمي السلاح!"

​حسام حاول يرفع المسدس، بس الظابط المتقدم كان أسرع، ضرب طلقة في الهواء وارتد عليه وقدر يكتفه على الأرض وياخد منه السلاح في ثواني.

​البيت اتملى رجال بوليس وإسعاف في لحظة. المسعفين جرو على بابا وشالوه على نقالة. أنا كنت ماسكة في إيده ومش راضية أسيبها، وبابا كان بيهمس بصوت ضعيف جداً وهو بيتسحب لسيارة الإسعاف: "في السقف.. يا مريم.. الأوضة القديمة.. الهارد في السقف.."

​في المستشفى، قعدت على الكرسي في الممر، هدومي كانت متوسخة بدم بابا، وتيتا كانت قاعدة جنبي بتعيط وتاخدني في حضنها، وعمي أحمد جه جاري من السفر أول ما سمع الخبر.

​الدكتور خرج بعد ساعتين كاملين من غرفة العمليات. جريت عليه: "بابا عامل إيه يا دكتور؟ أرجوك قولي إنه كويس!"

​الدكتور مسح عرق جبهته وتنهد بتعب: "الحمد لله، الرصاصة جات في الجنب وما لمستش أي عضو حيوي، بس نزف دم كتير. قدرنا نوقف النزيف، وهو دلوقتي في العناية المركزة تحت الملاحظة. عدى مرحلة الخطر إن شاء الله."

​أنا وقعت على ركبتي من كتر الارتياح، وحمدت ربنا من كل قلبي. بس الأسئلة كانت بتاكل في دماغي. إيه اللي بيحصل؟ بابا مخبي إيه؟

​الظابط اللي كان قائد المجموعة في البيت، كان اسمه المقدم شريف، قرب مني بهدوء. كان راجل وسيم، ملامحه حادة بس عينيه فيها رحمة. قعد قصادي على ركبته وقال بنبرة هادية: "ألف سلامة على والدك يا مريم. أنا عارف إنك مرعوبة ومصدومة، بس لازم نتكلم."

​بصيتله وأنا بمسح دموعي: "يا حضرة الضابط.. أنا مش فاهمة حاجة.. مين الراجل ده؟ وبابا عمل إيه؟"

​المقدم شريف بص لعمي وتيتا، وبعدين قاللي: "أبوكي راجل شريف جداً يا مريم.. شريف لدرجة إنه خاطر بحياته وحياتك عشان يمنع كوارث."

​بدأ يفرغلي الحقيقة اللي كانت غايبة عني طول السنين دي..

​بابا مكنوش مجرد محاسب بسيط في شركة المقاولات. الشركة دي كانت غطاء لعمليات غسيل أموال وتجارة غير مشروعة لشبكة كبيرة جداً من رجال الأعمال الفاسدين، بقيادة

تم نسخ الرابط