كامله لمشيره محمد

لمحة نيوز

 راجل اسمه "الفيومي". بابا اكتشف بالصدفة فواتير وعقود مزورة بمليارات، وورق يثبت إن الشركة بتستخدم مواد بناء مغشوشة في أبراج سكنية وكباري، حاجات ممكن تقع على الناس وتقتل الآلاف.

​لما بابا اكتشف ده من سنة، حاول ينسحب بهدوء، بس الفيومي هدده بيا.. قالوله: "لو اتكلمت، بنتك مريم مش هتشوف الشمس تاني."

​فنزل بابا تحت الأرض، تظاهر إنه خايف وموافق يشتغل معاهم، وبدأ على مدار سنة كاملة يجمع الأدلة، والملفات، والرسائل الصوتية، وتسجيلات الفيديو اللي بتدين كل راس في الشبكة دي، وجمع كل ده على "هارد ديسك" مشفر.

​لكن الأسبوع اللي فات، حسام -اللي هو الذراع اليمين للفيومي- بدأ يشك في بابا. اكتشف إن فيه تسريبات بتوصل للنيابة العامة. بابا حس إن الستار بينزل، وإنهم جايين يصفوه وياخدوا الأدلة.

​عشان كده، الليلة دي بالذات.. ليلة عيد ميلادي.. كانت هي الليلة المحددة لتسليم الهارد للنيابة. وبابا كان عارف إنهم هيتحركوا الليلة دي بالذات لأن البيت هيبقي مليان ضيوف ومحدش هيشك.

​المقدم شريف كمل كلامه: "والدك اتصل بيا الساعة 11 بالليل، وقاللي إن حسام ومجموعته بيراقبوا البيت وخلاص داخلين، وطلب مننا نتحرك فوراً.. وهو اللي طلب منك تنامي جنبه عشان يفضل عينيه عليكي وما يسيبكيش لحظة واحدة."

​دموعي نزلوا زي المطر. افتكرت لما وشوشني في ودني وقاللي: "تعالي نامي معايا في الأوضة الليلة دي.. أرجوكي ما تسيبينيش لوحدي".

​ده مكنش خايف على نفسه.. ده كان ميت من الرعب عليا! كان عارف إن لو حصلت هجمة، الأوضة المتقفلة دي هي المكان الوحيد اللي هيقدر يحميني فيه بصدره.

​افتكرت الكلمة الأخيرة اللي بابا قالها لي وهو على النقالة: "في السقف.. يا مريم.. الأوضة القديمة.. الهارد في السقف.."

​بصيت للمقدم شريف وقولتله: "بابا قالي على مكان الهارد."

​بعد ساعتين، كنت راكبة في عربية البوليس مع المقدم شريف وفريق من البحث الجنائي، ورجعنا لبيتنا.

​البيت كان متحاوط بشريط أصفر بتاع مسرح الجريمة. دخلنا جوة، والرعب كان لسه مخيم على كل ركن. طلعت السلم ومعايا الظابط لحد "الرووف" أو الأوضة القديمة اللي بنخزن فيها الحاجات الكراكيب فوق السطوح.

​الأوضة كانت مليانة تراب وصنادق قديمة بتاعة أمي الله يرحمها.

​مشيت ناحية الزاوية، وكان فيه سقف صاج معلق. بابا كان دايماً يصلح في السقف ده ويقولي إنه بيخر مية. مسكت كرسي وقفت عليه، وبصيت فوق.. كان فيه بلاطة من الجبس المتثبت بسلك.

​حركت البلاطة بإيدي، ولقيت لفافة متغلفة بقماش أسود ومربوطة بشريط لحام جامد.

​نزلتها وأديتها للمقدم شريف: "هو ده."

​الظابط فتح اللفافة بحرص، ولقى جواها هارد ديسك خارجي، ومعاه كارت ميموري صغير وفلاشة، وأوراق متصورة عليها أختام رسمية وتوقيعات.

​المقدم شريف بص للهارد ونظرة ارتياح عظيمة ارتسمت على وشه: "أبوكي بطل يا مريم.. الورق ده مش بس حماكوا، ده هينقذ مئات الأرواح وهيودي أخطر عصابة في البلد السجن."

​عدت الأيام، وبابا يوماً بعد يوم كان بيتحسن في المستشفى.

​كنت قاعدة جنبه في الأوضة، ماسكة إيده وبأكله شوربة دافية. الشمس كانت داخلة من الشباك بتدفى المكان.

​بابا بصلي وابتسم ابتسامة هادية، ملامحه التعبانة بدأت ترجع لها الروح تاني.

​"سامحيني يا مريم.." قالها بصوت دافي وهو بيمسح على شعري. "سامحيني إني خضيتك الليلة دي.. وإني عيشتك في الرعب ده الأسبوع اللي فات كله."

​مسكت إيده وبستها: "تسامحك على إيه يا بابا؟ أنت بني آدم عظيم.. أنت حميتني وحميت ناس كتير. أنا اللي آسفة إني شكيت فيك أو افتكرت حاجة غلط."

​بابا تنهد وقال: "لما وشوشتك في عيد ميلادك.. كنت حاسس إن السكينة على رقبتنا. مكنتش قادر أتخيل إن ممكن حد يمسك أو يئذيكي بسبب غباوة القرارات اللي أخدتها. كنت عاوز أضمك لصدري وأخبيكي جوة قلبي عشان محدش يوصلك."

​"أنا عارفة يا بابا.. عارفة دلوقتي."

​في اليوم ده، دخل علينا المقدم شريف الأوضة، وكان لابس بدله رسمية وابتسامته عريضة.

​"صباح الخير يا بطل!" قالها لبابا وهو بيحييه.

​"أهلاً يا حضرة الضابط.. خير؟ الأخبار إيه؟" بابا سأله باهتمام.

​المقدم شريف طلع ملف أسود وحطه على الترابيزة جنب السرير: "النيابة العامة أصدرت فجر اليوم أمر بضبط وإحضار الفيومي وكل أعضاء مجلس إدارة الشركة. الهارد كان فيه كل التسجيلات والمستندات اللي ما تخرش المية. القضية بقت قضية رأي عام، والبلد كلها بتتكلم عن الموظف الشريف اللي فضح الفساد."

​بابا غمض عينيه ونزل دمعة هادية.. دمعة راحة بعد سنة كاملة من الخوف والضغط والتمثيل.

​المقدم شريف بصلي وقال: "وعلى فكرة يا مريم.. حرز الهارد كان مكتوب عليه كلمة سر من برة.. عارفة كانت إيه؟"

​بصيت للظابط باستغراب: "إيه؟"

​الظابط ابتسم: "كان مكتوب: (عشان خاطر عيون مريم)."

​بصيت لبابا لقيت عينيه مليانة دموع وابتسامة حنونة. اتلقيت في حضنه ومسكت فيه جامد.

​الليلة دي.. ليلة عيد ميلادي التلاتاشر.. مكانتش ليلة رعب بس، كانت الليلة اللي عرفت فيها قد إيه بابا بيحبني، مستعد يضحي بعمره عشان يحميني، وإن الحق دايماً بيكسب مهما كان الشر قوي ومخيف.

​ودلوقتي، وأنا بكتبلكم الحكاية دي وأنا عندي تمانتاشر سنة، وبابا قاعد جنبي بيشرب الشاي وبيبتسم، بحب أقول لكل واحد بيقرا: الظروف ساعات بتبقى مرعبة، والأشخاص اللي بنحبهم ساعات بيتصرفوا بغرابة تحت الضغط.. بس الحب الحقيقي دايماً بيبان في الأوقات الصعبة.

​كل سنة وأنت طيّب يا أحسن بابا في الدنيا! 

تمت روايات_مشيره_محمد

تم نسخ الرابط