مصعب

لمحة نيوز

جالست في العربية مش قادر أستوعب اللي بيحصل. دركسيون العربية في إيدي بيترعش من كتر ما إيديا ماسكاه بقوة، ونفسي طالع نازل بصعوبة.
العنوان مكتوب قدامي بالخط العريض حي الديوم الشرقية شارع 17 منزل 12.
الساعة كانت عشرة ونص بالليل. فاضل ساعة واحدة بس على المعاد. ألف سؤال وسؤال بياكلوا في عقلي زي النار في القش
مصعب عايش؟ ثمان سنين بنبكي عليه؟ ثمان سنين وأمي كل شهر بتروح المقابر تحط ورد على القبر وتعيط لحد ما دموعها تنشف؟ طب ومين اللي اندفن هناك؟ وأبويا.. أبويا كان عارف؟ ليه كان مستعجل في كل حاجة وقت الحادثة؟ وليه ما رضيش يخلي أمي تشوفه؟ وليه قال جملته الشهيرة الأفضل تتذكريه زي ما كان؟
طب وإيه الخطر اللي بيهدد أمي لو أبويا عرف؟
مسكت الموبايل، وبصيت في الشاشة.. لقيت مكالمة لم يرد عليها من أبويا.
قلبي دق بصرعة غير طبيعية، وكأن الموبايل مسك فيه كهربا. بلعت ريقي وبصيت في الساعة.. 1040. لازم أتحرك حالا.
شغّلت عربيتي وانطلقت على حي الديوم الشرقية. الشوارع كانت هادية، والظلمة مغطية أغلب البيوت القديمة. الشارع رقم 17 كان ضيق ومظلم، والشبابيك مقفولة بخشب قديم متهالك.
نزلت من العربية وركنتها بعيد شوية زي ما مصعب قال لي تأكد إن ما حدش ماشي وراك.
مشيت ببطء في الشارع، لحد ما لقيت منزل رقم 12. بيت مبني من الطين والآجر القديم، بابه خشب متهالك، وما فيش أي نور طالع منه روايات_مشيره_محمد
بصيت في ساعتي.. 1128 مساءً.
قربت من الباب ودقيت ثلاث دقات خفاف زي ما أي حد خايف بيعمل.
الباب اتفتح ببطء وصوت صرير الخشب خرم وداني.
كان مصعب واقف ورا الباب. ماسك في إيده كشاف صغير، ووشه شاحب زي الأموات. بص يمين وشمال في الشارع بسرعة، وشدني من إيدي لجوه وقفل الباب بالمفتاح فوراً!
المكان جوه كان عبارة عن أوضة صغيرة فيها كنب قديم، ولمبة حمرا ضعيفة متعلقة في السقف بنور بيهتز.
وقفت قدامه، مش قادر أتمالك نفسي. جيت أقرّب منه وأحضنه، بس هو حط إيده على صدري ووقفني، وعينيه مليانة دموع ورعب.
مصعب.. أنت بجد؟ أنت حي؟ فهمينى إيه اللي بيحصل يا مصعب! أمي هتموت عليك، أمي بقالها ثمان سنين عايشة في جنازة!
مصعب اتنهد بصوت طالع من قاع صدره، وقعد على الكنبة وحط وشه بين إيديه. بدأت كتفانه تتهز، وكان بيبكي بصوت مكتوم.
عارف يا إبراهيم.. عارف كل حاجة. وعارف إن أمي بتتعذب كل يوم. بس لو كنت ظهرت، أو لو أبوك عرف إني لسه عايش.. ما كانش زمانك واقف بتتكلم معايا دلوقتي، وما كانش زمان أمي على قيد الحياة!
قعدت جنبه بسرعة ومسكت إيده
أبويا؟ مال أبويا بالحكاية دي كلها؟ أبويا راجل طيب، تبكي عليه كل الناس! إزاي تقول عنه كده؟
رفع مصعب راسه، وبص لي بنظرة عمري ما هنساها.. نظرة واحد شاف جحيم بعينيه.
أبوك مش الراجل اللي أنت فاكره يا إبراهيم.. أبوك هو اللي حاول يقتلني من ثمان سنين!
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. حسيت إن الأوضة بتدور بيا.
إيه؟ أنت بتخرف بتقول إيه؟ أبويا يحاول يقتلك أنت؟ ابنه الكبير؟
اسمعني للاخر يا إبراهيم وما تقطعنيش!.. مصعب مسك إيدي بقوة وهو بيكلمني بصوت واطي ومبحوح
من ثمان سنين، قبل الحادثة بأسبوع، كنت شغال مع أبوك في المكتب. بالصدفة فتحت الخزنة اللي في بيتنا القديم تدويراً على أوراق ملكية أرض، ولقيت وثائق وأوراق تسجيل شركات وهمية، وأوراق تهريب أدوية مغشوشة ومواد ممنوعة. أبوك كان مشغل شبكة كبيرة في السر تحت غطاء تجارته العادية. والأدهى من كده.. لقيت أوراق بتثبت إن الشركة اللي بيمتلكها متورطة في قضايا غسيل أموال لصالح ناس كبار ومجرمين.
كنت قاعد أسمع وأنا حاسس إن دماغي هتتفجر.
مصعب كمل كلامه وهو بيرتعش
أنا اتصدمت. واجهت أبوك بالأوراق دي. قلت له يا أبوي ده حرام، وده دمار لينا ولبيتنا ولأمي!.. عارف رد عليا قال إيه؟ بص لي ببرود وقال لي افتح بؤك بكلمة واحدة، أو حاول تبلوغ عن حاجة، وساعتها مش هترحّم على حد.. ولا حتى عليك!.. أنا افتكرته بيخوفني بس. لكن بعد أسبوع واحد، طلب مني أخد العربية وأسافر مدني عشان أسلّم أوراق للشركة. وأنا على الطريق السريع.. حسيت إن الفرامل ما بتشتغلش! العربية كانت ملعوب فيها يا إبراهيم! الاتجاه اتفقد مني، والعربية اتقلبت بين الأشجار وولعت!
طب إزاي خرجت؟ إزاي عشت؟ سألته وأنا ذهولي بيزيد كل ثانية.
ربك نجاني.. واحد راعي غنم كان قريب من الطريق، شاف الحادثة، وجري عليا وسحبني من شباك العربية قبل ما النار تاكل الجزء القدامي كاملاً. بس جسمي اتجرح ووشي اتعلم أشر على الندبة اللي جنب دقنه. الراعي أخدني عنده في الكوخ وعالجني بأعشاب، وكنت غايب عن الوعي يومين. لما فقت، عرفت من الأخبار إن الشرطة أعلنت وفاتي! تعرف ليه؟ لأن أبوك راح بنفسه، وادعى إن الساعة والسلسلة اللي لقوهم في العربية المتروكة اللي كان سايبهم شريكي أو واحد من رجالة أبوك اللي ركب معايا هما بتوعي! أبوك حرق جثة شخص تاني كان معاهم أو جثة ملهاش ملامح، ودفن السر معاها بسرعة عشان يقفل الملف!
عشان كده.. زقيت الكلمة بالعافية من بؤي .. عشان كده ما سمحش لأمي تشوف الجثة! وقال الأفضل تتذكريه زي ما كان!
بالظبط! مصعب قام وقف وهو

تم نسخ الرابط