اخويا السببر روايات مشيره محمد

لمحة نيوز

خرج طارق من الصالة وهو ماسك كاس عصير، وبص لي بتحدي:

"خير يا سارة؟ جاية تشتكي ولا جاية تعيطي؟ أمك كبرت وخرفت، وتنازلت لي عن أملاكها بكامل إرادتها، والأوراق مع القضاء.. أعلى ما في خيلك اركبيه."

​أنا قعدت على الكرسي بكرامة هادية جداً، وربعت إيدي:

"أنا مش جاية أعياط يا طارق، ولا جاية أترجاك. أنا جاية أقدم لك عرض."

​شيرين ضحكت بصوت عالٍ: "عرض؟ عرض إيه يا شاطرة؟ إحنا خلاص بنشطب وبنبيع الشقة لشريف بـ 5 مليون، والفلوس في البنك، وخلال أيام هنكون بره مصر."

​ابتسمت ابتسامة خفيفة جداً، وقربت منهم:

"أنا عارفة إن شريف هيشتري الشقة بـ 5 مليون.. بس أنا معايا مشتري خليجي، مستعد يدفع في الشقة دي 8 مليون جنيه كاش.. دلوقتي! لأن الموقع ممتاز والأثاث عاجبه."

​عينين شيرين وطارق لمعت بـ "الجشع". النصاب دايماً نقطة ضعفه هي الطمع في زيادة.

​طارق بلع ريقه: "8 مليون؟ كاش؟"

​"أيوه، 8 مليون. بس بشرط واحد.."

شيرين قربت بشغف: "شرط إيه؟"

​"عشان المشتري ده يضمن إن مافيش أي مشاكل قانونية مستقبلاً من أمي، هو عاوز يشتري الشقة بعقد جديد خالص مباشر بينك يا طارق وبين المشتري، وكمان تكتب تعهد وتسليم نقدية بحضور محامي إن الفلوس دي مقابلة للتنازل التام، ونلغي البيع الصوري اللي بينك وبين شريف.. وطبعاً أنتم هتسجلوا البيع ده بصوت وصورة عشان المشتري يطمن إن مافيش غش."

​طارق بص لشيرين.. الجشع كان بياكل في دماغهم. بدل ما يكسبوا 5 مليون، هيكسبوا 8 مليون كاش وفي إيدهم!

​طارق قال بسرعة: "ومين المشتري ده؟ وهييجي امتى؟"

​"المشتري هييجي بكرة الساعة 6 المسا هنا في الشقة ومعاه الشنطة فيها الفلوس كاش.. بس لازم العقد يتكتب هنا، وأنتم تسلموه التنازلات والأوراق القديمة اللي أخدتوها من أمي عشان تتلغى وتتمسح، عشان المشتري يضمن إن مافيش عقدين للشقة."

​شيرين قالت بلهفة: "موافقين! بكرة الساعة 6 تكون الفلوس هنا والعقود تتكتب!"

​خرجت من الشقة وأنا حاسة برضا تام. "الظعن اتنصب، والفريسة دخلت الشباك برجليها."

​رجعت البيت، اتصلت بالنيابة العامة وبفريق المباحث، واستصدرت إذن رسمي بمراقبة وتسجيل الواقعة بالصوت والصورة، بتهمة "النصب والتدليس وتزوير محررات رسمية واستغلال عجز مريض".

​ثاني يوم، الساعة 5:30 مساءً.

فريق المباحث كان مستخبي في مدخل العمارة وفي الشقة المجاورة.

أنا دخلت الشقة الساعة 6 بالضبط، ومعايا رجل أعمال (زميل لينا ضابط متخفي في زي مشتري خليجي)، ومسك شنطة سامسونايت تقيلة مليانة فلوس (أوراق نقدية حقيقية على الوش وفي النص أوراق ملونة).

​طارق وشيرين كانوا أعدين منتظرين، أشكالهم كانت زي الجوارح اللي مستنية الفريسة.

​"أهلاً يا باشا.. اتفضل اتفضل!" طارق كان بيلحس جزم المشتري المتخفي من كتر الترحيب.

​المشتري المتخفي اتكلم بلهجة خليجية متقنة: "أهلاً يا طارق بيه.. أنا راجل دغري، وين العقود الأولى للتنازل اللي أخدتها من والدتك؟ لازم أستلمها بنفسي وأفرمها قدام عيني قبل ما أوقع العقد الجديد وأسلمك الـ 8 مليون."

​شيرين جرت على الخزنة، وطلعت ملف أسود.

أول ما شفت الملف، قلبي دق. ده الملف اللي فيه كل أوراق أمي: التنازل المزيف تحت تأثير المسكنات، التوكيل الملغوم، وعقد البيع الصوري لشريف!

​شيرين حطت الملف على الترابيزة: "أهو يا باشا.. كل الأوراق الأصلية هنا. أمها أمضت على كل حاجة وهي مش دارية بحاجة خالص، التوكيل ده إحنا عملناه بمساعدة موظف صاحبنا استغل إنها مريضة ومش قادرة تقرأ.. يعني الشقة والأملاك بقت بتاعتنا 100%!"

​طارق كمل بنفس التبجح وهو بيضحك: "يعني من الآخر يا باشا، العجوزة ملهاش أي حق قانوني تطالبنا بحاجة، وإحنا مسيطرين على كل حاجة!"

​في اللحظة دي، الضابط المتخفي بص لي واداني إشارة.

أنا طلعت تليفوني من جيبي، ودست على زرار الفتح.

​"شكراً جداً يا طارق.. شكراً يا شيرين. التسجيل ده كان كل اللي ناقص النيابة العامة عشان تكمل أركان الجريمة."

​وش طارق اتخطف، والدم هرب من وش شيرين.

"تسجيل إيه؟ أنتي بتستهبلي يا سارة؟!" طارق قام وقف بغضب.

​في نفس اللحظة، الباب اتكسر ودخل قوة من المباحث والنيابة العامة، والأجهزة الذكية في إيديهم بتصور المكان بالكامل!

​"اثبت مكانك منك ليه! النيابة العامة!"

​شيرين صرخت وهجمت على الملف عشان تخبيه، بس الضابط مسك إيدها وكلبشها في ثواني.

طارق كان واقف مذهول، عينيه رايحة جاية بيني وبين الضباط وبين الفلوس.

​الضابط المسؤول اتكلم وهو بيمسك الملف والأوراق:

"طارق محمد.. وشيرين محمود.. أنتم متلبسين بتهم التزوير في محررات رسمية، النصب والإحتياط، واستغلال عجز مريض والإضرار العمدي. التسجيلات الصوتية والمرئية أثبتت اعترافكم الكامل دلوقتي."

​طارق بص لي بعيون مليانة رعب والتجأ لي:

"سارة! أنتي اختي! هتسيبيهم يكلبشوني؟ أنا أخوكي يا سارة! امسحي التسجيلات دي ونحلها ودي!"

​بصيت في عينيه ببرود شديد، وبصوت ثابت هز الأوضة:

"أخويا؟ الأخ هو اللي بيصون أمه يا طارق.. مش اللي بيسرقها وهي بين الحياة والموت بعد عملية قلب مفتوح! الأخ هو اللي يحمي أمه من البرد، مش يرميها تحت الكوبري في المطر والشارع تلف نفسها بجرايد عشان تدفى! أنت مش أخويا.. أنت مجرم، والمجرم مكانه الطبيعي هو السجن."

​شيرين كانت بتصرخ وهي بتتجرجر من دراعاتها: "يا سارة ارجوكي! أنا عندي عيال! سامحينا!"

​بصيت لها وقلت لها: "كنتي افتكري عيالك لما رميتي أم جوزك في الشارع وأخدتي دهبها في إيدك.. القانون هيعلمك يعني إيه رحمة من هنا ورايح."

​تم القبض عليهم، وأُحرزت كل الأوراق، والدهب اللي كانت لابساه شيرين تم تحفظ عليه في المحضر كـ ممتلكات مسروقة.

​خلال شهر واحد بس..

وبفضل التسجيلات الحية واعترافاتهم الصريحة وتتبع الحسابات البنكية، النيابة العامة أصدرت أحكاماً عاجلة:

  1. ​بطلان كافة عقود البيع والتنازلات والإقرارات الصادرة من أمي لبطلانها واستغلال المرض والتزوير.
  2. ​رد الشقة والمحل ورصيد البنك بالكامل لأمي.
  3. ​السجن المشدد 7 سنوات لطارق وشيرين بتهم النصب والتزوير واستغلال العجز.
  4. ​التحفظ على كافة أموالهم الشخصية للتعويض عن الأضرار النفسية والجسدية التي لحقت بأمي.

​اليوم اللي استلمنا فيه مفاتيح الشقة تاني، أخدت أمي في إيدي.

فتحت لها باب الشقة.. الشقة كانت نضيفة، والورود مالية الصالة. أمي دخلت، مسكت الحيطان بإيدها وهي بتعيط، بس المرة دي دموع الفرحة والراحة.

​بصت لي ، وقالت لي وهي بتدعي لي:

"ربنا يحميكي يا سارة يا بنتي.. ربنا يسعدك زي ما رديتي لي كرامتي وروحي اللي كانت ضايعة في الشارع."

​قعدتها على كرسيتها المفضل، ولفتها بالبطانية الدافية بتاعتها، وحطيت في إيدها كوباية الشاي اللي بتحبها.

​من شباك الصالة، كنت شايفة المطر نازل بره على شوارع القاهرة.. بس المرة دي، المطر ماكانش بيخوف. كان بينضف كل القذارة والظلم اللي حصل، وبداية لصفحة جديدة ناصعة البياض.. صفحة عنوانها إن الحق دايماً بيرجع، وإن الظالم لازم يشرب من نفس الكأس اللي سقى منه غيره.

تمت.. روايات_مشيره_محمد

تم نسخ الرابط