مكالمة بالغلط مشيره محمد

لمحة نيوز

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كنت واقفة في صالون بيتنا الصغير، الموبايل في إيدي بيترعش، وصوت عياط آدم كان بقى أضعف، زي ما يكون حنجرته اتنحلت من كتر الصراخ وما بقاش فيه حيل حتى يبكي.
بصيت للشاشة ورجلي مش شيلاني. استني. أخوكي جعان دلوقتي؟
مين ده؟ وليه بيكلمني كده؟
إيدي أكلتني ورجعت كتبت بصوابع متلخبطة
حضرتك أنا أسفة والله، أنا طفلة وغلطت في الرقم، متعملش معايا مشكلة والنبي، أنا هقفل الموبايل خالص.
قبل ما لحق أدوس مسح أو أقفله، لقيت الشاشة نورت برسالة تانية، أسرع من الأولى
أنا مش هعملك مشكلة يا مريم. قوليلي عنوانك فين بالظبط. شقتكم فين؟
هنا الرعب مسك في قلبي زي الكلبشة. منين عرف اسمي؟!
فجأة افتكرت إني كتبت في أول الرسالة أنا مريم. يا ربي على الغباء! قلبي كان بيدق في صدري زي الطبليّة، وصوت خطوات آدم الضعيفة وهو بيلف حوالين رجلي ومستني أي نقطة لبن كان بيقطع في قلبي.
رديت بسرعة وأنا بدمع
مش هينفع أقولك. أمي لو عرفت إني بكلم حد غريب هتضربني. ارجوك انسى الرسالة.
في الوقت ده، وعلى بُعد كمين ومحاور كتير من حارتنا الشعبية المهجورة في أطراف القاهرة، كان حسن الدمنهوري قاعد في عربية مرسيدس سوداء فخمة، الزجاج بتاعها متفيّم بالكامل. جنب منه كان قاعد سعيد، دراعه اليمين ورئيس حراسته، راجل شنبُه يوقف عليه الصقر، وبصاته كفيلة ترعب بلد.
سعيد كان ماسك لاب توب صغير وبتليفون ثاني بيعمل مكالمات سريعة.
حسن بص من شباك العربية وهو بيمسح على دقنه ببطء، وعينيه فيها نظرة حادة ومش مفهومة.
وصلت لشبكة التليفون يا سعيد؟ سعيد بص لحسن باحترام شديد وقال
تمام يا باشا. الشريحة باسم واحدة اسمها سناء عبد الحميد، شغالة في البيوت. العنوان في شق التعبان، حارة المظلوم، البيت رقم 12.. بيت قديم آيل للسقوط.
حسن سكت. عينه لمحت الشاشة اللي عليها رسالتي 20 جنيه بس عشان لبن آدم.
بالنسبة لحسن الدمنهوري، ال 20 جنيه دي ما تشتريش حتى ورقة منديل من اللي بيمسح بيها جزمه، لكن الكلمة نفسها كانت بتزن في دماغه زي الجرس.
حسن الدمنهوري ما كانش راجل شرير بالكامل، ولا كان ملاك. كان راجل جابها من القاع، أَبوه اتوفى وهو صغير وسابُه للشارع، لحد ما بقى يهد ويبني ويطلع على جثث الصفقات لحد ما بقى اسمه يرعب السوق. بس الكلمة دي.. لبن آدم.. خبطت في زاوية مستخبية جواه من ثلاثين سنة، زاوية كان يحب ينسى إنها موجودة اصلاً.
ادخل على الحارة يا سعيد. سعيد اتخض، وبص لحسن بذهول
ندخل الحارة بالعربيات يا باشا؟! الحتة هناك شعبية جداً وطين وأمان مفيش، وحضرتك عندك اجتماع مع وفد المستثمرين الأجانب كمان نص ساعة في الفندق! حسن بص لسعيد بصه واحدة بس.. خلت سعيد يبلع ريقه ويقول للفيّام
اططلع على شق التعبان فوراً.
في بيتنا..
الساعة كانت قربت على 7 بالليل. الشارع بره كان مظلم، والفوانيس مكسورة.
أنا كنت قاعدة على الأرض، حاضنة آدم اللي نام من كتر العياط، وجسمه كان دافي شوية، وشفايفه ناشفة. الموبايل كان في إيدي، وفجأة سمعت صوت حشرجة عربيات ضخمة بتهز الشارع الصغير بتاعنا.
الشارع عندنا ما بتدخلوش غير التوكتوك والعربيات الكارّو. لكن الصوت ده كان مختلف.. صوت مواتير تقيلة وبتهدر بصوت واطي ومخيف.
الناس في الشارع بدأوا يخرجوا من الشبابيك والكانونات، يتهامسوا.
إيه العربيات دي؟
دي عربيات حكومة دي ولا إيه؟
لا يا عم.. دي عربيات بواتين وموكب كبارات!
أنا قمت وقفت على الكرسي وبصيت من الشباك المكسور..
لقيت ثلاث عربيات سوداء فخمة جداً واقفين تحت البيت بالظبط. الشارع كله ينور لما أنوارهم القوية ضربت في البيوت المتهالكة.
باب العربية اللي في النص اتفتح..
ونزل منه راجل طويل، لابس بدلة كحلي معتمة، وشعره فيه خصلات بيضاء خفيفة، وساعة إيده بتلمع تحت الضوء الضئيل. وجهه كان حاد زي السيف، وعينيه بتتفحص الشارع بقرف واشمئزاز من الطين والمجاري، لكن لما بص لبيت نمرة 12.. عينيه هدأت شوية.
الراجل ده كان حسن الدمنهوري.
ورا منه نزل أربعة حراس، أجسادهم زي الضلف، وقفوا يفتحوا له الطريق.
حسن أشار بأيده وقال بصوت واطي لكنه صارم
خليكم هنا. حدش يطلع معايا غير سعيد.
أنا قلبي وقف!
سمعت صوت جزم تقيلة بتطلع على السلم الخشب المكسور بتاعنا. السلم كان بيزيق مع كل خطوة.
تك.. تك.. تك..
كنت مرعوبة. مسكت آدم وضمتُه لصدري جامد، واستخبيت ورا الكنبة القديمة.
الباب بتاعنا كان عبارة عن لوحين خشب متهالكين، مالهمش حتى أكرة عدلة.
وفجأة.. خبطتين على الباب. مش خبطات بوليس، ولا خبطات بلطجية. خبطتين هاديين وبثقة.
مريم؟
الصوت كان رخيم وجاي من ورا الباب.
أنا ما رديتش، وكنت بكتم نفسي وبدموعي بتنزل في صمت.
الصوت اتكرر تاني
افتحي يا مريم. أنا صاحب الرسالة. محدش هيأذيكي.
بصيت لآدم، وبعدين بلعت ريقي، وقومت بخطوات مبطوءة جداً. إيدي كانت بتترعش وأنا بمدها للترباس. فتحت الباب حتة صغيرة جداً.. شبر واحد بس.
لقيت قدامي راجل طول بعرض، لابس أنضف هدوم شفتها في حياتي، وريحته كانت برفيوم غالي جداً غطت على ريحة السلم والمطرح.
حسن بصلي.. نزل بعينيه ليّا، وبعدين بص لآدم اللي في حضني، وللبيت الفاضي ورايا.. المطبخ المظلم، التلاجة المفتوحة ومفيش فيها نور حتى، والأرضية السيراميك المكسرة.
حسن الدمنهوري ابتسم ابتسامة خفيفة جداً، وسألني بصوت هادي
أنتي مريم؟
هزيت رأسي وأنا بترعش
أ.. أيوه.. حضرتك مين؟ والله أنا غلطت في الرقم،

تم نسخ الرابط