مكالمة بالغلط مشيره محمد

لمحة نيوز

ما تقولش لأمي.. أمي تعبانة و...
حسن قاطعني بهدوء ورفع إيده
متخافيش.
التفت لسعيد اللي كان واقف وراه على السلم وقال له بصوت حازم
سعيد.. انزل الشارع. هات كل اللبن اللي في المنطقة. ولو مفيش لبن أطفال، اطلب عربية تيجي من أقرب صيدلية كبرى فوراً.. وهات أكل جاهز، سخن، يكفي عشر أفراد.
سعيد بص لحسن بدهشة
يا باشا.. والوفد الألماني؟ حسن بص لسعيد بنظرة خلته يرجع خطوة لورا
أنا قلت إيه يا سعيد؟ سعيد بلع ريقه بسرعة
أمرك يا باشا.. خمس دقائق والأكل واللبن يكونوا هنا.
حسن دخل الشقة بصمت. مشى بخطوات هادية، وبص حواليه. قعد على الكرسي الخشب القديم اللي كان في الصالون، والكرسي زي ما يكون كان هيتكسر تحت جسمه.
أنا فضلت واقفة في زاوية، حاضنة آدم، ومش فاهمة حاجة.
حسن بصلي وقال
تعالي اقعدي يا مريم.
مشيت بقدم خايفة وقعدت قصاده على الكنبة.
سألني
أبوكي فين؟
نزلت رأسي في الأرض وقلت بصوت واطي
مات من سنتين.. كان شغال في الفاعلية وسقط من على السقالة.
وأمك؟
بتشتغل في تنظيف البيوت.. بتطلع من 6 الصبح وترجع 10 بالليل.. واليومين دول المفاصل عندها تعبانا ومفيش شغل كتير.
حسن سكت فترة. كان بيبص لآدم اللي كان بيزن بصوت ضعيف.
فجأة، حسن حط إيده في جيب جاكيت البدلة الداخلي، وطلع محفظة جلد سوداء فخمة. فتحها، وطّلع منها حزمة فلوس.. كذا ألف جنيه، وحطهم على الترابيزة المكسورة قدامي.
أنا اتخضيت وقلت بسرعة
لا! والله يا عمو أنا ما طلبش فلوس كتيرة كده! أنا كنت عايزه 20 جنيه بس عشان أجيب علبة لبن لآدم من الدكان اللي تحت!
حسن ابتسم، والمرة دي الابتسامة وصلت لعينيه
ال 20 جنيه دي يا مريم كانت أغلى رسالة وصلتلي في حياتي.
في اللحظة دي، سعيد دخل الشقة ومعه اثنين حراس شالين أكياس ضخمة. أكياس فيها علب لبن أطفال بمختلف الأنواع، كراتين بسكويت، وفواكه، وأطباق أكل سخن طالعة منها ريحة كباب وكفتة ورز وبطاطس.. ريحة بيتنا ما عرفهاش من سنين!
آدم فتح عينيه وشم الريحة، وبدأ يرفرف بإيديه الصغيرة.
حسن قفل محفظته وقام وقف.
شربيه لبن الأول يا مريم.. وأكليه.
أنا ما كنتش مصدقة نفسي. أخذت علبة اللبن وسعيد فتحها لي بسرعة، وعملت لآدم البزونة. أول ما آدم مسكها وبدأ يشرب بلهفة، الدموع نزلت من عيني من كتر الفرحة والراحة.
حسن كان واقف بيتفرج علينا في صمت.
وفجأة.. باب الشقة اتفتح.
دخلت أمي.. سناء.
كانت شايلة شنطة بلاستيك فيها شوية خضار مفعص، وظهرها متني من التعب، ووشها باين عليه الإرهاق.
أول ما دخلت ولقيت رجالة بعرض الحيطة واقفين في الصالون، وراجل شيك قاعد في بيتها، والترابيزة مليانة أكل وفلوس.. الشنطة وقعت من إيدها، ووشها أصفر
مريم!! إيه ده؟! مين دول يا بت؟! فيه إيه؟!
حسن اتفت وأخد خطوة ناحية أمي، وقال بنبرة مليانة احترام عكس طريقته مع كل الناس
متخافيش يا حجّة سناء.. أنا حسن الدمنهوري.
أمي لما سمعت الاسم، رجليها تخشبت!
اسم حسن الدمنهوري كان معروف في المنطقة، رجل الأعمال اللي ماسك المحلات والمقاولات الكبيرة في المنطقة المجاروة.
أمي قالت بصوت بيترعش
حسن باشا؟! خير يا باشا؟ إحنا عملنا حاجة؟ بتي عملت حاجة؟!
حسن بص لأمي وقال بوضوح
بنتك مريم.. بنت جدعة ومتربية. بعتتلي رسالة بالغلط وكانت بتطلب لبن لأخوها. وأنا جاي هنا عشان أقولك.. البيت ده من النهاردة تحت رعايتي.
أمي بصتلي وبصت لحسن وهي مش فاهمة حاجة
يعني إيه يا باشا؟
حسن كمل بصوت صارم ومفيش فيه مجال للمناقشة
يعني من بكرة الصبح، فيه شقة جديدة هتتنقلوا فيها في وسط البلد، شقة ملككم. وبكرة الصبح فيه عربية هتعدي عليكي تاخدك لأحسن مستشفى في القاهرة عشان مفصلك وتعبك يتعالج على حسابي. ومريم وآدم.. مصاريف دراستهم لحد ما يتخرجوا من الجامعة مسؤوليتي أنا شخصياً.
أمي قعدت على الأرض من الصدمة، وبدأت تعيط وتدعي له بالخير
ربنا يسترها معاك يا بني! ربنا يرزقك ويفتحها في وشك! والله ما عارفين نقولك إيه!
حسن بصلي، وقرب مني، وحط إيده على رأسي وقال
تعرفي يا مريم؟ أنا كان ممكن أطنش الرسالة دي زي ما بعتبر أي رقم غلط. بس لما قرأت آدم محتاج لبن.. افتكرت نفسي وأنا عندي 12 سنة، لما كنت بجوع وأمي ما كانتش بتلاقي حتة جبنة تديها لي.. الرسالة دي ما جاتليش بالصدفة، الرسالة دي جاتلي عشان تفكرني أنا مين.
حسن التفت لسعيد وقال له
سعيد.. سيب الحراسة تحت البيت هنا للصبح. وبكرة الساعة 9 العربية تكون جاهزة لنقلهم.
وسابنا وخرج..
مشى حسن الدمنهوري، وساب وراه بيتنا الصغير اللي كان مظلم، ينور بالدفا، ورائحة الأكل ملياه، وآدم شبعان ونايم في حضن أمي وهي بتبكي من الفرحة وتدعي ربنا.
أنا مسكت الموبايل القديم أبو شاشة مكسورة، وبصيت للرقم اللي غلطت فيه ب رقم واحد بس..
وابتسمت وأنا بدمع.. وعرفت إن أوقات كتير، غلطة صغيرة في رقم تليفون.. بتكون هي الطريق اللي ربنا كاتبه عشان يغير حياتك كلها.
تمت روايات مشيره محمد

تم نسخ الرابط