تمن الغربه... روايات مشيره محمد

لمحة نيوز

روايات_مشيره_محمد

فتح علي الباب بالراحة، والصوت الصرير الخفيف بتاع الأكرة داب وسط دوشة الضحك والمزيكا اللي جاية من الصالة جوة. الأوضة كانت عبارة عن مخزن كراكيب ضيق، شباكها مكسور ومسدود بكرتونة، والريحة جوة مزيج من الرطوبة والعفن وريحة الأكل البايت.

​على مرتبة قديمة مفروشة على الأرض مباشرة، كانت أمه «كريمة» قاعدة ساندة ظهرها على الحيطة العريانة، ولابسة طرحة قديمة ومتهالكة، ماسكة في إيدها حتة قماشة بتمسح بيها دموعها في السكت. وجنبها أبوه «حلمي»، قاعد على كرسي خشب مكسور، ماسك طبق أكل بلاستيك فيه بقايا أكل ناشف، وبيحاول يطعمها بإيده اللي بترعش.

​علي وقف في ظلام الباب، جمست رجله في الأرض، وصدره بقى يعلى ويهبط بنبضات قلب متسارعة زي الطبول. الفانوس الصغير اللي منور الأوضة عكس خياله على الحيطة.

​كريمة رفعت راسها الخايفة، وعينيها المغلولة بالدموع انقضت على الخيال. بصت قوي، وفركت عينيها بظهر إيدها وهي مش مصدقة:

  • ​«حلمي... هو أنا بقيت بشوف علي في الضلمة ولا أنا خلاص اتجننت؟»

​حلمي حط الطبق على الأرض بسرعة وسند نفسه على الكرسي وهو بيحاول يقف، صوته خرج متحشرج ومخنوق:

  • ​«علي؟! يا بني... أنت مش مسافر؟ ألمانيا يا علي؟!»

​علي أخد خطوة لجوة، ووطى على ركبه قدامهم على الأرض المبلولة. مسك إيد أمه وإيد أبوه، وعينيه بتلمع بدموع قهر وحسرة، بس صوته كان حاد وزي السيف:

  • ​«أنا مروحتش في حتة يا أمي... أنا رجعت عشان أشوف المهزلة دي بنفسي. رجعت عشان أفهم الفلوس اللي كنت ببعتها كانت بتروح فين، وليه أبويا ينام في مخزن الكراكيب وأختي حاطة رجل على رجل جوة وبتبخبخ مع خطيبها وصحابها!»

​كريمة حطت إيدها على بقه بسرعة وهي بترتعش وبتبص ناحية الباب الخشب المقفول:

  • ​«وطي صوتك يا بني الله يخليك! مروة لو سمعتك هتعمل مشكلة... إسلام خطيبها قاعد جوة وممكن يطردنا في الشارع خالص. سيبنا يا علي، إحنا خلاص اتعودنا، المهم أنت متخربش على أختك مستقبلا!»

​علي مسك إيد أمه ونزلها بالراحة، وبص في عينيها بمرارة:

  • ​«تطردكم في الشارع؟! تطرد مين يا أمي من بيته؟! البيت ده بيت أبويا، والفلوس اللي بتتصرف جوة دي عرقي وشقايا في الغربة! أنتِ متخيلة أنا كنت بعيش إزاي عشان أبعتلكم الأربع تلاف يورو كل شهر؟ كنت بشتغل 16 ساعة في اليوم، باكل سندوتش جبنة وأوفر عشان أقول أمي وأبويا يرتاحوا في كبرهم... وفي الآخر أختي تأكلكم بقايا الأكل وتنيّم أبويا في مخزن الكراكيب؟!»

​حلمي نزل راسه في الأرض وصوته طالع بال بالعافية:

  • ​«يا بني هي قالتلي إن الفلوس اللي بتبعثها يدوب بتكفي الشغل اللي بتعمله في البيت عشان تطلع شكله حلو قدام أهل إسلام... وقالت إنك مقتنع إن البيت لازم يترمم. ولما اعترضت... أخدت ساعة يدك اللي جبتها لي، وقالت لي دي يلزمها واحد مقام إسلام عشان يتشرف بيها قدام أهله، وأنا راجل كبرت وما بقتش أخرج بها.»

​علي سن أسنانه، وعروق رقبته برزت من شدة الغضب:

  • ​«ساعة أبويا... الساعة اللي اشتريتها من أول مكافأة أخدتها في حياتي المهنية عشان تفضل في إيدك وتفتكرني بيها... بياخدها الشاب اللطيف اللي قاعد جوة بيمثل إنه صاحب أملاك؟!»

​علي قام وقف، طوله المديد وهيبته في الضلمة كانت تحسس أي حد إن فيه بركان على وشك الانفجار.

​كريمة مسكت في رجله وهي بتبكي بصوت مكتوم:

  • ​«عشان خاطري يا علي... بلاش مشاكل يا بني، الناس جوة كتير، وإسلام ده أبوه راجل واصل وواصلين، ومروة حلمها تتبسط وتتجوز الجوازة دي. بلاش تفضح أختك قدام الناس!»

​علي بص لأمه بابتسامة مكسورة وفيها كمية قسوة غير طبيعية:

  • ​«أختي؟ اللي سابتك تمسحي وتطبخي وتخدمي أصحابها وهي قاعدة زي الهوانم؟ اللي حرمتكم من العلاج ومن الأكل ونيمتكم في البرد عشان تتباهى بفلوسي قدام شوية صيع؟ دي مش أختي يا أمي... دي ثعبان عاش في بيتنا وكان بياكل في لحمكم وأنا غايب. وبكره الصبح... كل حاجة هتترد لأصحابها.»

​علي أخد نفس عميق، وطلع تليفونه من جيبه. اتصل برقم وسماعة التليفون على أذنه:

  • ​«ألو... أستاذة فريدة؟ أنا علي. القضايا والأوراق اللي جهزناها جاهزة؟... تمام. عايزك مع رجال الشرطة ومندوب النيابة قدام البيت بعد ثلث ساعة بالضبط. البلاغ: استيلاء على أموال بالنصب، وإهمال جسيم في رعاية مسنين، وسرقة بالإكراه. كل الأدلة والفواتير وكاميرات المراقبة القديمة اللي جمعتها والمحولات البنكية معايا.»

​قفل التليفون وبص لأبوه وأمه وقال بنبرة هادية بس تخوف:

  • ​«ارتاحوا هنا الـ 20 دقيقة دول... النهاردة أخر ليلة تناموا فيها في الأوضة دي.»

​خرج علي من الأوضة الصغيرة، ومشي في الطابق الخشبي الممتد للمطبخ بخطوات ثابتة ورايقة. فتح باب المطبخ الموصل للصالة الكبيرة.

​الصالة كانت منورة بالثريات الكريستال الفخمة اللي علي نفسه كان باعت فلوسها من سنتين. السفره كانت مليانة بجميع أنواع اللحوم والمشروبات والحلويات الفاخرة. مروة كانت قاعدة في صدر الطاولة، لابسة فستان أنيق، وجنبها إسلام خطيبها اللي كان ماسك كاس بيشرب منه والضحكة مالية وشه، وصحابهم حوليها بيصفقوا وبيضاحكوا.

​مروة كانت بتتكلم بنبرة فخر كاذبة:

  • ​«أصل بابا وماما تعبانين شوية ومفضلوش يقعدوا معانا، بيفضلوا يرتاحوا بدري... وأنتم عارفين بقى، أنا اللي شايالة البيت كله على دماغي، وديكورات الصالة دي أنا اللي اخترتها بنفسي قطعة قطعة!»

​إسلام حط إيده اللي فيها الساعة الاستانلس على الطاولة وبص لمروة بحب زائف:

  • ​«بس الذوق تحفة يا مروة، والساعة دي كمان ذوقها جنان... حقيقي كرمك وكرم عيلتكم مغرقني.»

​في اللحظة دي، علي طلع من الممر. مشي بمنتهى التؤدة والهدوء، حاطط إيديه في جيوب جاكيته الدايب وبنطلونه الجينز، لحد ما وقف عند حرف الطاولة.

​الضحك بدأ يختفي بالتدريج. السكوت حلّ على القاعة كإن ملك الموت دخل.

​مروة بصت لعلي وعينيها وسعت من الصدمة، كاس العصير في إيدها اتهز ونزل منه نقط على المفرش الأبيض. وشها أصفر وزي الميتين:

  • ​«عـ... علي؟! أنت... أنت مش سفرت ألمانيا؟! الطيارة بتاعتك كانت الساعة 7!!»

​علي ابتسم ابتسامة هادية جداً، وقرب من الكرسي الفاضي اللي في رأس الطاولة وسحبه وقعد عليه. حط رجلاً على رجل وبص لها:

  • ​«والله يا مروة... كنت ناوي أسافر. بس افتكرت إن البيت هنا محتاج شوية دفء، وخصوصاً إن أمي قالت لي إنهم اتعودوا على البرد... فقلت أرجع أدفيكوا بنفسي.»

​إسلام اتعدل في قعدته وبص لعلي باستكبار وازدراء، مظهره بالجاكيت المتبهدل والجينز كان يبان غريب وسط الحفلة الفخمة:

  • ​«مين ده يا مروة؟ هو ده المسلح ولا السائق اللي بيبعت الأغراض من المطار؟»

​علي بص لإسلام، وبعدين نزل عينيه فوراً على الساعة الاستانلس اللي في معصمه. علي ابتسم بسخرية قاتلة:

  • ​«سائق؟ لا يا شاطر... أنا اللي بشتري الساعات اللي في إيدك دي. الساعة دي تحديداً... أنا اشتريتها بـ 1500 يورو من أول مكافأة أخدتها في حياتي، عشان تبقى في إيد الراجل الوحيد اللي يعرق ويشقى عشان يربي... مش في إيد واحد عاطل قاعد بياكل من خير غيره وبيتباهى بعرق ناس تانية.»

​إسلام وشه أحمر ووقف بغضب:

تم نسخ الرابط