.
الشبيه الغامض............... روايات_مشيره_محمد
نادية بدأت تحكي وهي بتشهق من العياط:
"أنا ما كنتش باخلف.. جوزي كان بيهددني بالطلاق والجواز عليا، وكنت بروح لمستشفى استثماري صغير في الأرياف بعيد عن بلدنا عشان أتابع مع دكتور هناك كان قريب جوزي.. في الليلة اللي أنتِ ولدتي فيها يا مدام، أنتِ جيتي في حالة خطيرة جداً، كنتِ حامل في ثلاثة توائم، ودخلتي عمليات طارئة."
أنا ومحمد كنا بنسمع والكلام ينزل على قلوبنا زي النار. كملت نادية:
"الدكتور أخد الأطفال الثلاثة وحطهم في الحضانات.. واحد منهم كان ضعيف جداً ومات بعد ساعات من الولادة.. اتبقى ولدين توائم، صحتهم كانت ممتازة.. الدكتور ده كان عارف مشكلتي، وكان مديون بمبالغ ضخمة.. أغراني وقال لي إنك مغمى عليكي وفي غيبوبة بعد الولادة الصعبة، وإن جوزك مش هيستوعب إن فيه طفلين مش طفل واحد، وقال هيقنعكم إن طفل واحد بس اللي عاش ومات اتنين!"
أنا صرخت في وشها:
"يا مجرمة! أخذتي ابني من حضني؟! حرمتيني من قطني ثمان سنين عشان أنانيتك؟!"
نادية دفنت وشها في إيديها وقالت:
"أنا دفعت له كل فلوسي ويا ريتني ما عملت كده! أخذت يوسف وهو حتة لحمة حمرا، وربيته وراعيت ربنا فيه، وكنت فاكرة إن السر ده بيموت معايا.. لحد ما جوزي نقل شغله للقاهرة، وقدمت ليوسف في المدرسة دي بالصدفة.. وما كنتش أعرف إن ربنا كاتب إن التوأم يتقابلوا في نفس الفصل ونفس المدرسة!"
محمد كان وافق زي الصنم، عينيه مليانة دموع وذهول، بص لي وقال بكسرة:
"أنا السبب يا مي.. أنا اللي صدقتهم لما قالوا لي إن اتنين ماتوا، أنا اللي مسكت الكيس الصغير ودفنته ورجعت لك وقلت لك البقية في حياتك.. أنا دفنت طفل واحد بس وما كنتش عارف إن الثاني اتسرق!"
رحلة التحاليل والوجع
النيابة أمرت بعمل تحليل دي إن إيه (DNA) فوراً، وتم احتجاز يوسف بشكل مؤقت في مكان رعاية تابع للنيابة لحد ما تطلع النتيجة، ونادية اتجمعت عليها الاتهامات بالخطف والتزوير في أوراق رسمية.
الأيام اللي استنينا فيها نتيجة التحليل كانت أطول أيام في حياتي. ما كنتش بنام، ولا كنت بآكل. صور يوسف وكريم ما كانتش بتفارق خيالي. كريم كان كل يوم يسألني:
"ماما، هو يوسف هيرجع يعيش معانا؟ هو هينافسني في ألعابي؟"
أقوله وأنا بدمع:
"يوسف أخوك يا كريم، نصك الثاني اللي كان ضايع، ألعابك وبيتك وقبل كل ده قلبنا ملكه هو وأنت سوا."
وبعد أسبوع، ظهرت النتيجة.
التقرير الطبي كان واضح ومحسوم: نسبة التطابق بيني وبين محمد وبين يوسف هي 99.9%. يوسف ابننا شرعاً وقانوناً.
لحظة المواجهة والملمة
يوم ما أخذنا قرار قرار النيابة بتسليم يوسف لينا، كانت اللحظة أسبابها متضاربة بين الفرحة العارمة وبين الوجع. يوسف كان متعلق بـ نادية، الست اللي ربته ثمان سنين وكان فاكرها أمه. لما شافنا رايحين نأخذه، استخبى ورا الكرسي وكان خايف وبيعيط:
"أنا عايز ماما نادية! أنتوا مين؟ أنتوا أشرار أخذتوا ماما مني!"
الكلمة دي قطعت قلبي حتت. أنا أمه الحقيقية، أمه اللي حملت فيه وتعبت وشالت الوجع، بس هو مش عارفني. ركعت قدامه على الأرض ومسكت إيديه بالعافية وهو بيحاول يشدها:
"يا يوسف.. يا حبيبي افهمني، أنا مامتك اللي ولدتك، الست دي أخذتك مني وأنت صغير قوي حرمتني منك وحرمتك من أخوك كريم.. بص لكريم كده، بص لوشه.. مش أنت كنت بتقوله أنت أخويا؟"
يوسف بص لكريم اللي كان واقف ورايا وبيدعي إنه ما يعيطش. كريم قرب من يوسف وأخرج لعبة صغيرة من جيبه، عربية حمرا صغيرة، ومد إيده بيها ليوسف وقال:
"يا يوسف.. دي ألعابنا إحنا الاتنين، ماما كانت دايماً بتشتري لعبتين زي بعض بالضبط وما كنتش بفهم ليه.. أصلها كانت بتحس إنك موجود.. تعالى معانا البيت، عندنا سرير كبير ليك جنبي."
يوسف بص للعبة، وبعدين بص لوش كريم، ولأول مرة حس بالرابط السحري اللي بين التوأم. يوسف مسك العربية الحمرا، ودموعه نزلوا ببطء، ومد إيده الثانية ومسك إيد كريم.
بداية حياة جديدة
العودة للبيت كانت بداية فصل جديد مليان تحديات. نادية أخذت جزاها القانوني على التزوير والخطف، والطفل كان محتاج علاج نفسي عشان يستوعب الصدمة ويقدر يتأقلم مع عيلته الحقيقية.
أول كام شهر كانت صعبة جداً. يوسف كان بيصحى بالليل خايف وبيصرخ، وكنت باجري عليه وآخذه في حضني وأقعد أقرأ له قرآن وأطبطب عليه لحد ما ينام. كنت أغير لون شعره الأسود وأسرحه بأيدي وأنا باقوله:
"أنت رجعت لحضني يا يوسف.. مش هخلي أي حد في الدنيا يبعدك عني تاني."
ومع الوقت، وبفضل الحنان والحب اللي غمرناه بيه، يوسف بدأ يستوعب. كريم ما سبش أخوه ولا لحظة، كان يعلمه، ويلعب معاه، ويدافع عنه. الشبه اللي بينهما ما بقاش بس في الملامح، بقوا يتكلموا مع بعض بنفس الطرق، ويضحكوا في نفس الوقت، ويتفقوا على الشقاوة سوا.
بعد سنة كاملة من اليوم الشئوم ده في مكتب الناظر، أقف في بلكونة بيتنا وأنا بشوف كريم ويوسف بيلعبوا في الجنينة تحت، بيجروا ورا بعض ويضحكوا بصوت عالٍ، ومحمد جوزي واقف جنبهم بيشجعهم.
دموعي نزلت تاني، بس المرة دي ما كانتش دموع تجمد ولا حزن، كانت دموع شكر لله إن الحقيقة أبت إلا إنها تظهر، وإن التوأم اللي اتفرقوا بفعل الجشع والأنانية، جمعهم القدر في نفس الفصل ونفس المدرسة، عشان يرجع الحق لأصحابه، وتكتمل عيلتي اللي حرموني منها ثمان سنين.
تمت.. روايات_مشيره_محمد