كنت عند اختى

لمحة نيوز

زهرة الربيع

كابوس الشقة رقم أرب​أنا لسه واقفة في صالة الشقة، عيوني جاحظة، وريقي ناشف كأن أطنان من الرمال اتدفنت في زوري. مريم أختي واقفة ورايا بترتجف زي الورقة في مهب الريح، وشها أبيض كالثلج، ودموعها نزلت على خدودها زي الشلال من غير صوت.

​بصيت قدامي كويس.. المكان اللي كنت متوقعة أشهد فيه أبشع خيانة زوجية، وأوسخ طعنة في ضهري من أقرب ناس ليا.. ما كانش فيه لا سرير ولا خيانة بالشكل البشري المعتاد.

​اللي شفته.. كان رامي جوزي، قاعد على الأرض في زاوية الصالة، متبعثر ومطروح كأنه جثة هامدة، لابس جلابية قديمة من بتاعة المرحوم ماجد جوز أختي، وشعره منكوش وطويل بطريقة مرعبة، وعينه زاغية ومش معدولة.. بيبص في الحيطة ببلادة تامة وكأنه في عالم تاني مش بتاعنا خالص!

​وفوق ده كله.. الأغرب والأجل.. جدران الصالة كلها كانت متلغوصة بكتابات وطلاسم غريبة جداً باللون الأحمر الداكن، وريحة بخور مقرفة ومرعبة مالية المكان، ريحة صمغ وعفن ومستنقعات!

​جريت ناحية رامي وأنا بصرخ بصوت مجنون:

— "رامي!! رامي مالك؟ إيه اللي جابك هنا؟ وإيه المنظر ده؟ قاعد كده ليه؟!"

​قربت منه ومديت إيدي هزه من كتافه.. لقيت جسمه ساقع كأنه قطعة ثلج، وسندته عشان أعدله، فلقيته بص لي بعينين حمراوين كأنهم جمر نار، وفجاه طلع صوت غريب من ضوره مش صوته الطبيعي خالص.. صوت خشن ومببح وبيلفظ الحروف بصعوبة كأنه بيكلمني من تحت الأرض:

— "هـ... هدى؟ جيتي بدري ليه.. لسه.. لسه الحساب ما خلصش!"

​صرخت بأعلى صوتي وأنا بضرب على صدري:

— "حساب إيه يا رامي؟! أنت مجنون؟ أنت بتعمل إيه هنا في شقة أختي؟ وسايب بيتك ومرتك ليه؟ فهمني! أنا بموت!"

​هنا مريم انهارت تماماً، وقعدت على ركبها قدامي في الأرض، وبقت تعيط بصوت عالي وتخبط على صدرها وهي بتقول بانهيار:

— "حقك عليا يا هدى.. استري عليّ والنبي يا هدى.. والله ما كنت أعلم إن الموضوع هيوصل للدرجة دي!"

​التفت لها بجنون وعيوني بتطلع شرار، ومسكتها من تلابيب هدومها ورفعتها لفوق وأنا بصرخ:

— "تعلّمي إيه يا زفتة الطين؟ أنطقي! أخلصي قولي لي جوزي ماله؟ إيه اللي حصل هنا؟ إيه اللي خلاه بالمنظر المسخ ده؟ الشورت بتاعه كان بيعمل إيه عندك؟ أنطقي أحسن أقتلكم أنتوا الاتنين دلوقتي!"

​مريم كانت مرعوبة، وبقت تبلع ريقها بالعافية وتترعش، وقالت بصوت متهدج:

— "يا هدى.. اهدي والنبي واسمعيني.. والله ما خنْتِك.. والله رامي ما خانه معايّ.. الموضوع أكبر بكتير.. أكبر من كل الظنون السودة اللي في دماغي ودماغك!"

​سر الدولاب.. والرحلة الملعونة

​سيبت مريم وقعدت على الكرسي وأنا حاسة إن عقلي خلاص اتشل، ومش قادرة استوعب أي حرف. بصيت لرامي اللي رجع يبص في الحيطة تاني ويبتسم ابتسامة صفراء غريبة، كأنه بيكلم حد واقف جنبه بس احنا مش شايفينه!

​قلت بصوت متهدج، وكل حرف بيطلع من قلبي المكسور:

— "أنطقي يا مريم.. سامعاكي.. متسيبيش حرف إلا لما تقوليه، بدل ما ألم عليكي حارة اللي فيها واللي ما فيهاش!"

​مريم مسحت دموعها بطرف طرحتها، وقعدت على الأرض قدامي، وبدات تحكي وهي بتبص لرامي برعب:

— "فكري يا هدى.. من يوم ما ماجد جوزي مات، وأنا حياتي اتقلب جحيم. كنت بكلم نفسي من الوحدة، وابني الصغير كان بيصحى بالليل يصرخ ويقولي فيه راجل مرعب بيقعد جنبه على السرير.. كنت باخد ابني في حضني وأقعد أعيط للصبح. لحد ما في يوم، جارتنا العجوزة أم صابر -اللي في الدور التاني- شافتني وأنا منهارة على السلالم، وقالت لي: "يا بنتي الحال ده مش هيعجلك.. تعالي أدلك على واحد، شيخ بركة، بيحل المشاكل المستعصية، وبيقرب اللي فارقوا، ويعمل أعمال خير للروحانيات تريح البيت وتبارك فيه!"

​صرخت في وشها بوجع:

— "وهو ده بقى الشيخ البركة؟ جيبتيه لحد بيتي؟ جيبتيه لجوزي؟!"

 

تم نسخ الرابط