الحجه فاطمة

لمحة نيوز

​بدأت تلطم على خدودها بنحيب يقطع القلب. كانت المأساة مش بس إنها اتخدعت، المأساة إنها اكتشفت إن بنتها الوحيدة اللي كانت فاكراها حنينة وبتبرها، ضحت بيها وبسنين عمرها، واستخدمت طينتها وطيبتها كغطاء لعملية تهريب قذرة، بل والأدهى والأمر… إن بنتها محبوسة بعيد، والأحفاد الصغيرين مرميين عند جيران أو ناس مايعرفوهمش في دولة تانية!

​الضابط جاب لها كوباية مية وهداها: «اهدي يا حاجة… اهدي واشربي. الحمد لله إن الجهاز كشف اللعبة هنا قبل ما تركبي الطيارة. عارفة لو كنتِ ركبتِ ووصلتِ هناك والشرطة اللي هناك قفشتك؟ كانت عقوبتك هتكون الإعدام أو السجن المؤبد، وماكانش حد هيصدق إنك ما تعرفيش حاجة لأن الشنطة معاكِ والأمانة معاكِ!»

​الست كانت بتشرب المية وإيدها بتهتز، المية تقع على هدومها، وعينها زاغية. «والعيال… هدى وإياد؟ العيال فين يا بني؟»

​«العيال تحت رعاية السلطات هناك، ودلائل القضية دي هي اللي هتحدد مصيرهم. بس أنتِ لازم تتكلمي معانا دلوقتي بكل كلمة وكل تفصيلة: مين الواد اللي جابلك الشنطة في القليوبية؟ شكله إيه؟ جه الساعة كام؟ ونزل من عربية نوعها إيه؟»

​هنا بدأت الحاجة فاطمة تستجمع قواها المتهالكة. الأمومة والطيبة اتحولوا لجرح عميق، بس رغبتها في إنها تنقذ نفسها وتعرف طريق أحفادها خلتها تتكلم.

​«يا بني… الواد ده اسمه سيد. بييجي للبت بنتي في الإجازات، ولد طويل وأسمر، وعند علامة في وشه عند عينه الشمال. جه عندي القليوبية يوم التلات اللي فات بالليل، وقاللي: (يا حاجة، سمر بنتك بتبعتلك السلام، وأدي التذكرة وأدي الشنطة دي.. الشنطة دي فيها هدايا وهي بتقولك حطي هدومك فوقيها وما تفتحيش القاع عشان الحاجات مترتبة بخطة معينة). وأنا يا بني من خيبتي وطيبتي صدقته! قلت ده صحاب بنتي وبيخدموها! واداني خمسمية جنيه وقاللي دي مصاريف السكة للتاكسي!»

​الضابط كتب كل كلمة بسرعة على ورق التقرير، وبص لزميله: «عمم أوصاف الجاني فورًا، وراجع كاميرات المراقبة في الموقف اللي في القليوبية والقرية اللي قالت عليها الحاجة. هاتوا لي بيانات الواد "سيد" ده من أرشيف المسجلين خطر فورًا!»

​خلال أقل من نص ساعة، التحريات كانت شغالّة وزي النار في الهشيم. كشفوا إن "سيد" ده عنصر خطر في شبكة تهريب دولية، وكان هو الخيط اللي بيدير العمليات دي داخل مصر، وكان بيستغل أهالي الضحايا اللي مايعرفوش حاجة عن تجارة عيالهم القذرة.

​الضابط التفت للحاجة فاطمة وقالها: «يا حاجة فاطمة… أنتِ كده متهمة رسمية في قضية تهريب مواد مخدرة بحكم إن الشنطة كانت في إيدك، ولكن… اعترافك الأولي، ومعاينتنا للرسائل، وطبيعة الشنطة المصنوعة بتعقيد مش ممكن ست في سنك تقدر تعمله بنفسها، ده كله هيتقدم للنيابة العامة مع التقرير. إحنا هنحفظ حقوقك، وهتكوني تحت الحراسة لحد ما النيابة تحقق وتثبت حسن نيتك وإنك مخدوعة.»

​الحاجة فاطمة هزت راسها بكسرة ودموعها مش راضية تقف: «اعملوا اللي تعملوه يا بني… أنا خلاص الدنيا هانت في عيني. البت اللي كبرتها وسهرت عليها الليالي، تبيعني عشان شوية فلوس وحرام؟ تخلي أمها اللي قربت تقابل ربنا تبقى تجار مخدرات؟ يا خسارة تربيتي ويا خسارة تعبي!»

​مرت الساعات ثقيلة جدًا. الشنطة الرمادي القديمة اللي كانت رايحة تفرح عيال صغيرين، بقت الدليل الدامغ على جريمة بشعة. التحقيقات أثبتت بالفعل إن الحاجة فاطمة كانت مجرد مجني عليها وضحية لخديعة خبيثة، والنيابة العامة قررت الإفراج عنها بضمان محل إقامتها بعد ما أمن الدولة والبحث الجنائي قدروا يوصلوا للواد "سيد" ويقبضوا عليه في شقة مفروشة في بنها، وبحوزته كميات تانية ومبالغ مالية ضخمة.

​في لحظة خروج الحاجة فاطمة من سراي النيابة، كانت ماشية خطوة بخطوة، ظهرهـا انحنى أكتر من الأول بسنين. ما بقتش مسافرة، ولا بقوا العيال هينزلوا يحضنوها في مطار دبي، ولا الهدايا اللي في الشنطة اتفتحت بضحكات الأطفال.

​وقفت قدام باب النيابة، بصت للسما وقالت بصوت مكسور يهد الجبال:

«يا رب… أنا سامحتها على اللي كانت هتعمله فيا، بس أنت الحكم العدل… احمي العيال الصغيرين من الذنب اللي مالهمش فيه يد، ورجعهم لحضني حلال طيب من غير شر.»

​خرجت الحاجة فاطمة ورجعت قريتها في القليوبية، مش حمالة هدايا، لكن حمالة وجع وأسى، وعبرة لكل حد ممكن يثق في حد في زمن أعمى… والشنطة الرمادي فضلت في حرز النيابة، شاهدة على إن أقسى ضربة ممكن تجي لك في حياتك… هي اللي بتجيلك من إيد أكتر بني آدم افتكرت إنه بيحبك!تمت

تم نسخ الرابط