قبل سنين
دموعي نزلت زي المطر.. بدأت أربط الأحداث، وقلبي يتقطع حتة حتة.
مدحت مسح دموعه في الفيديو وكمل كلامه والوجع باين في كل نبرة:
«بنتك "مصر" كانت نزفت مخياً وكانت متوفية دماغياً.. طبياً، ما كانش في أمل ترجع. وفي لحظة ضعف شيطانية.. لحظة أب بيشوف بنته الوحيدة بتموت قدام عينيه ومستعد يعمل أي حاجة عشان ينقذها.. أخدت القرار الأعوج. بدلاً ما أبلغك بالوفاة الدماغية وأطلب منك التبرع.. استغليت إنك كنتي في غيبوبة صدمة بعد الحادثة، وزورت التقارير الطبية. نقلت فص كبد من بنتك المتوفية دماغياً لبنتي الرضيعة "نور".. أنقذت نور بفص من جسم بنتك اللي ماتت!»
«يا نهار أسود!!» صرخت وأنا بقوم من مكاني، مسكت راسي بإيدي الجوز ومش قادرة أتنفس.
نور بصتلي برعب وقالت: «ماما.. أنتي بتعيطي ليه؟ بابا عمل حاجة وحشة؟»
ما قدرتش أرد على نور.. وقفت مذهولة ومصدومة وأنا بكمل بقية الفيديو.
مدحت في الفيديو نزل ردم راسه بين إيديه وبكى بحرقة:
«ستر ربنا كان مخبي السر ده.. بس ذنبي ما سابنيش. بعد الحادثة دي بسنة، ضميري أكلني.. ما قدرتش أكمل شغلانة الطب، استقلت من المستشفى وسبت كل حاجة وطفشت. وعشت حياتي كلها وأنا حاسس إن ربنا هيحاسبني على السرقة دي.. سرقت أعضاء بنتك من غير إذنك عشان أعيّش بنتي!
ومرت السنين.. لحد ما ربنابتلاني بالسرطان. ولما عرفت إن أيامي معدودة، وفهمت إن نور هتفضل لوحدها في الدنيا دي، قعدت أدور عليكي زي المجنون. كنت عايز ألاقي طريقة أرجعلك بيها حئك.. لما عرفت إنك شغالة في المستشفى، قطعت عيشي وجيتلك كمريض بسيط. ما كنتش جيلك عشان تجوزيني بس يا مريم.. أنا جيت عشان أديكي الأمانة اللي سرقتها منك!»
مدحت رفع راسه في الفيديو وبص للكاميرا بملامح ترجي وندم:
«نور مش مجرد بنت أنا سبتهالك.. نور شايلة جوة جسمها حتة حتة حية من بنتك "مصر"! كبد نور هو كبد بنتك.. يعني نور دي في الحقيقة، نصها بنتك ونصها بنتي! أنا ما اخترتكيش عشان يكسر قلبك يا مريم.. أنا اخترتك عشان ترجعي تضمي بنتك تاني! أنتي ما خسرتيش بنتك كليةً في الحادثة.. بنتك عايشة جوة نور!
أنا اتجوزتك وكتبت ليكي كل أملكي ورثي وبنتي، عشان أضمن إنك تاخدي حقك وحق بنتك.. وعشان تمسكي حتة من بنتك الحقيقية في حضنك. أنا عارف إن ده مش هيغفرلي ذنبي، بس أتمنى من ربنا ومنك إنك تسامحيني.. وتخلي بالك من نور.. لأنها الحتة الفاضلة من بنتك ومني.»
الفيديو خلص.. والشاشة اسودت.
الصمت حل في الأوضة، صمت تقيل يرعب. كنت واقفة وزي ما أكون أتردمت بالتراب وأنا حية. الشك والوجع والغضب والذهول كلهم اتخلطوا ببعض في قلبي.
الراجل اللي حبيتة.. الراجل اللي افتكرته المُنقذ اللي رجعلي الروح.. طلع هو نفسه اللي خد مني أعضاء بنتي واستغل عجزي وغيبوبتي!
بس في نفس الوقت.. البنت دي.. البنت الصغيرة اللي قاعدة قدامي، شعرها المنكوش وعيونها البريئة.. شايلة جوة جسمها حتة من بنتي اللي بكيت عليها دم بدل الدموع!
نور قربت مني بخوف، مسكت طرف عبايتي وقالت بصوت بترتعش فيه الدموع:
«ماما مريم.. بابا كان راجل وحش؟ هو عمل حاجة تزعلك؟ لو أنتي زعلانة مني أنا ممكن أمشي وأروح دار الأيتام زي ما الأطفال في المدرسة بيقولوا.. بس بالله عليكِ ما تعيطيش.»
بصيت لوش نور.. نفس العيون.. نفس التدويرة.. ونفس نبرة الصوت اللي كانت عند بنتي "مصر". الوجع كان هيشق صدري نصين.
وقع على ركبتي قدامها، وسحبتها لصدري بحضن بقوة مرعبة، حضن كنت بعوض بيه سنين الحرمان من بنتي اللي راحت. بقيت أبكي وأصرخ وأنا حاطة إيدي على جنبها اليمين.. المكان اللي فيه كبدها.. المكان اللي ينبض بالروح اللي سابتهالي بنتي.
«لا يا نور.. لا يا حبيبتي.. باباكي ما كانش وحش.. باباكي رجعلي روحي اللي كانت ضايعة.»
فتحنا الدفتر الأسود اللي كان في العلبة.. كان فيه مذكرات كتبها مدحت ببيانات وتفاصيل دقيقة، ومستندات نقل ملكية كل ما يملك باسمي وباسم نور بالتساوي، ورسائل اعتذار طويلة مكتوبة بخط إيده، كان كاتب في آخر صفحة:
(يا مريم.. لما تدفنيني، ادفني معيا سرقتي وذنبي، وخلي نور تعرف إنك أمها الحقيقية.. مش بالدم، بس بالروح واللحم اللي عايش جواها).
النهارده.. عدت سنين على اليوم ده.
نور كبرت وبقت صبية جميلة في المرحلة الثانوية. هي لحد النهاردة ما تعرفش السر البشع ولا تعرف القصة الأصلية للفلاشة.. تعرف بس إن أبوها مات وهو بيحبنا، وإن ربنا بعتها ليا عشان تكون العوض والسند.
كل يوم الصبح.. لما بأكل نور وبضفر لها شعرها، بحط إيدي على جنبها، وبحس بدقات قلبها، وبقول في سري: "الله يسامحك يا مدحت.. وجعتني بس رجعتلي بنتي."
الحياة أوقات بتديلك الوجع في أمل، وبتاخد منك أمل عشان تديكي معجزة.. ومدحت سابلي السر اللي نزل معاه التربة، بس سابلي معاه المعجزة اللي عايشة معايا كل يوم.
تمت روايات_مشيره_محمد