جحود روايات مشيره محمد
يعني إنت فعلًا كنت ناوي تعمل كده؟
شريف أيوه يا نجلاء أنا كنت غرقان في الديون ومش عارف أخرج منها
نجلاء وكنت هتضيع أبوك عشان فلوس؟
شريف أنا ما كنتش بفكر كويس
حسام تدخل وقال
حسام الاعتراف بالغلط خطوة كويسة لكن لازم يبقى فيه التزام واضح بعد كده
شريف بص لي وقال
شريف أنا مستعد أمضي على أي إقرار يثبت إني مش هتدخل في أملاكك ولا حساباتك تاني
عبدالعزيز وأنا عايزك تفهم إن اللي حصل مش هيتنسي في يوم وليلة
شريف عارف يا بابا
عبدالعزيز وعايزك كمان تعرف إن مساعدتي ليك مش هتكون من خلال التنازل عن بيتي ولا فلوسي
شريف موافق
عبدالعزيز لو عندك ديون هنراجعها مع بعض ونشوف طريقة قانونية تسدد بيها من غير ما تظلم مراتك ولا تعرض ولادك للخطر لكن مش هدفع لك فلوس من غير ما أعرف هتروح فين
شريف هز راسه
شريف موافق يا بابا
وبالفعل حسام جهز الأوراق القانونية اللازمة لحماية ممتلكاتي وتوثيق عدم وجود أي موافقة مني على نقلها لشريف كما راجعنا التفويضات القديمة واتخذنا الإجراءات المطلوبة لإلغائها
أما شريف فبدأ يتعامل مع أصحاب الديون بمساعدة مختص مالي واتفق على جدول سداد يناسب دخله
ما ادتلوش فلوس مقابل إنه يرجع ابني
وما اشترتش اعتذاره بفلوسي
كان لازم يتحمل نتيجة اختياراته
مرت شهور
شريف بدأ يزورني كل أسبوع تقريبًا
في الأول كانت الزيارات قصيرة ومليانة صمت
لكن مع الوقت بدأ يتكلم معايا عن شغله وعن الولاد وعن المشاكل اللي بيواجهها
وفي يوم كنت قاعد في الجنينة لقيته داخل ومعاه كيس كبير
عبدالعزيز إيه ده يا شريف؟
شريف جبت لك شوية حاجات بتحبها
عبدالعزيز كنت جايب لي إيه؟
شريف جبنة قديمة وزيتون وعيش بلدي زي ما بتحب
ضحكت وقلت
عبدالعزيز هو إنت فاكرني كنت باكل الحاجات دي وأنا صغير؟
شريف أيوه يا بابا فاكر لما كنت بتصحيني يوم الجمعة وتعمل لي فطار مخصوص؟
سكت شوية وبعدين قال
شريف أنا وحشني الزمن ده
بصيت له وقلت
عبدالعزيز الزمن ده كان حلو عشان كنا بنحب بعض من غير حسابات
شريف نزل عينه وقال
شريف أنا عارف إني كسرت حاجة جواك
عبدالعزيز اللي اتكسر ممكن يتصلح يا ابني بس مش بالكلام
شريف هحاول أثبت لك إني اتغيرت
عبدالعزيز أتمنى
بعدها دخلنا نفطر سوا وكانت أول مرة من شهور أحس إن ابني رجع يتعامل معايا كأب مش كصاحب أملاك
لكن الثقة ما رجعتش مرة واحدة
فضلت أراجع حساباتي بنفسي وأتابع أوراقي وأرفض أي طلب توقيع من غير مراجعة المحامي
ومع الوقت شريف فهم إن الحدود دي مش عقاب ليه لكنها حماية ليا
وفي عيد ميلادي اللي كملت فيه 79 سنة حصل موقف عمره ما هيتنسي
كنت فاكر إن اليوم هيعدي عادي لكن فجأة سمعت جرس الباب
فتحت لقيت يوسف وليلى واقفين ومعاهم تورتة صغيرة
يوسف كل سنة وإنت طيب يا جدو
ليلى إحنا جايين نحتفل بيك
وبعدهم دخلت نجلاء وشريف
شريف قرب مني ومد إيده واداني علبة صغيرة
قال لي
شريف دي هدية بسيطة يا بابا
فتحتها لقيت جواها ساعة جديدة
عبدالعزيز إيه ده يا شريف؟ دي غالية
شريف مش أغلى من وقتك اللي ضيعته في زعلي
حاولت أتماسك لكن دموعي نزلت
شريف حضني وقال
شريف سامحني يا بابا أنا عارف إن مفيش هدية تقدر تعوضك عن اللي عملته
ربت على ضهره وقلت
عبدالعزيز أنا سامحتك يا ابني لكن افتكر إن أبوك مش بنك ولا البيت اللي عايش فيه مجرد عقار مستنيك تورثه
شريف عمري ما هنسى الكلام ده
يوسف جري علينا وحضننا وقال
يوسف خلاص بقى يا جدو عشان نطفي الشمع
ضحكنا كلنا
وفي اللحظة دي بصيت لصورة أمينة اللي كانت معلقة في الصالة وحسيت إني عايز أقول لها إن البيت لسه مليان حياة وإن أحفادنا لسه بيضحكوا فيه
بعد ما الناس مشيت بالليل قعدت لوحدي شوية
فتحت درج المكتب وطلعت صورة قديمة ليا أنا وأمينة وشريف وهو طفل صغير بينا
فضلت أبص للصورة وافتكرت كل اللي حصل
افتكرت التهديد والخوف والليالي اللي ما نمتش فيها واللحظة اللي تخيلت فيها إن ابني ممكن يحرمني من بيتي وأحفادي
لكن أهم حاجة اتعلمتها إن الإنسان مهما كبر لازم يفضل صاحب قراره
وفي اليوم التالي حسام جه يزورني
سألني
حسام عامل إيه يا حاج عبدالعزيز؟
عبدالعزيز الحمد لله
حسام سمعت إن الأمور اتحسنت بينك وبين شريف
عبدالعزيز أيوه الحمد لله بس أنا اتعلمت درس مش هنساه
حسام إيه هو؟
عبدالعزيز إن الحب مش معناه إنك تتنازل عن حقك وإن التسامح مش معناه إنك تفتح الباب لنفس الأذى من جديد
حسام ابتسم وقال
حسام كلام سليم
وقبل ما يمشي قلت له
عبدالعزيز عايز أطلب منك حاجة أخيرة
حسام اتفضل
عبدالعزيز أنا عايز أعمل وصية واضحة ومنظمة قانونيًا تحفظ حقوقي وتضمن إن أي حاجة أقرر أسيبها بعد عمري تروح بالطريقة اللي أنا عايزها مش بالطريقة اللي حد يضغط عليا عشانها
حسام نقدر نرتب ده بكل وضوح ووفق القانون
عبدالعزيز وكمان عايز أخصص جزء من مالي لمساعدة كبار السن اللي ظروفهم صعبة ومفيش حد بيسأل عنهم
حسام ربنا يبارك لك يا حاج
عدت الأيام وبدأت أشارك في جمعية خيرية بتزور كبار السن اللي عايشين لوحدهم
كنت بروح لهم وأقعد أسمع حكاياتهم وأكتشف إن فيه ناس كتير عندها نفس خوفي القديم
ناس أولادها مشغولين عنها وناس بيتعاملوا معاها كأنها عبء وناس بيتضغط عليها عشان تتنازل عن بيتها أو فلوسها
وفي مرة قابلت راجل عنده 81 سنة اسمه عم جابر كان بيعيط وهو بيحكي لي إن ابنه بيطلب منه يبيع شقته عشان يسدد ديونه
قعدت جنبه وقلت له
عبدالعزيز اسمعني يا عم جابر إنت ليك حق تعيش بكرامتك وما تمضيش على أي ورقة مش فاهمها ولا تسمح لحد يخوفك
قال لي
جابر بس ده ابني يا حاج
ابتسمت بحزن وقلت
عبدالعزيز وأنا كمان كنت فاكر إن ابني مستحيل يأذيني لكن لازم تعرف إن حماية نفسك مش معناها إنك مش بتحبه
فضل يبص لي شوية وبعدين مسك إيدي وقال
جابر ربنا يكرمك يا ابني
ساعتها فهمت إن اللي حصل معايا ما كانش مجرد مشكلة عائلية لكنه درس ممكن ينقذ ناس تانية من نفس الوجع
أما شريف فكان بيحاول يصلح علاقته بيا يوم بعد يوم
وفي يوم جالي ومعاه ولاده وقعدوا معايا طول اليوم
قبل ما يمشي وقف عند الباب وقال
شريف بابا ممكن أسألك سؤال؟
عبدالعزيز اتفضل
شريف إنت لسه شايفني ابنك زي زمان؟
بصيت له وقلت
عبدالعزيز إنت ابني وهتفضل ابني لكن لازم تعرف إن مكانة الابن مش بتتحفظ بالاسم ولا بالوراثة بتتحفظ بالرحمة والاحترام والأمان
شريف دمعت عينه وقال
شريف فهمت يا بابا
عبدالعزيز أتمنى تكون فهمت فعلًا
ومشي
قفلت الباب ورجعت قعدت في مكاني المعتاد
بصيت لصورة أمينة وابتسمت
وقلت لها
أهو يا أمينة لسه بحاول أحافظ على بيتنا وعلى ابننا بس المرة دي من غير ما أضيع نفسي
ومن يومها بقيت مؤمن بثلاث حاجات
أولًا إن العمر الكبير مش معناه إن الإنسان يفقد حقه في اتخاذ قراراته
ثانيًا إن الأب مش مطالب يشتري حب أولاده بالتنازل عن تعب عمره
وثالثًا إن اللي بيحبك بجد مش هيخوفك من الوحدة ولا هيستخدم أحفادك عشان يجبرك تتنازل عن حقك
أنا عندي 79 سنة ولسه عايش في بيتي اللي بنيته مع مراتي ولسه بفتح بابه لأحفادي في أي وقت
أما ثروتي فبقيت أنا المسؤول عن إدارتها وتحديد مصيرها
لأن دي مش مجرد فلوس
دي سنين عمري وتعب مراتي وذكريات بيت كامل
والأهم
من كل ده إني فهمت إنك ممكن تسامح ابنك على غلطه لكن عمرك ما المفروض تسمح له يسرق منك كرامتك عشان يفضل ابنك
تمت... روايات_مشيره_محمد