11يوم

لمحة نيوز

فاطمة، الراجل ده مش بتاع مشاكل، وإنتِ مالكيش دعوة بيه. خليكي في مطعمك أحسن.
وقفت وقلت
هو إنت بتخوفني؟
رد بحدة
أنا بنصحك، عشان مصلحتك.
في اللحظة دي، رجب وقف جنبي وقال
والنصيحة لما تبقى بالتهديد ما تبقاش نصيحة يا أستاذ جلال.
جلال بصله بغضب، وبعدها لف ومشي من غير ما يرد.
لكن قبل ما يخرج، بص ناحيتي وقال
افتكري كلامي كويس.
فضلت باصة له لحد ما اختفى من قدامي.
وبعدين قلت لرجب
أنا مش مرتاحة للراجل ده خالص.
رد
وأنا كمان، بس إحنا مش هنسكت.
المواجهة الأولى
تاني يوم الصبح، رجعت المستشفى بدري.
مراد كان حالته أحسن، والدكتور قال إنه هيحتاج عملية بسيطة لتثبيت الكسر، وبعدها فترة علاج طبيعي.
دخلت عليه وقلت
صباح الخير يا مراد.
ابتسم وقال
صباح النور يا عصفورة.
قلت له
بلاش الاسم ده قدام الناس، هيفتكروني رجعت بنت عشرين سنة!
ضحك لأول مرة من قلبه.
وبعدين قلت له
أنا عايزة أشوف الأوراق اللي معاك.
فتح العلبة وطلع المستندات.
قعدنا نراجعها، ولاحظت إن فيه عقد ملكية قديم باسم خاله، ومعاه إعلام وراثة وعقد تنازل موثق عن نصيب باقي الورثة.
قلت له
الأوراق دي لازم تتعرض على محامي، ومينفعش تفضل معاك بالشكل ده.
قال
أنا عارف، بس خايف يضيع حقي.
رديت عليه
حقك مش هيضيع طول ما فيه قانون، وإحنا هنمشي صح.
اتصلت بابن مراد، واسمه شريف، وحكيت له اللي حصل.
الراجل اتخض جدًا، وقال إنه هيسافر من السعودية في أقرب طيارة.
وبعدها اتصلنا بمحامية اسمها الأستاذة هبة، كانت بتتعامل معايا في مشاكل إيجار المطعم، وطلبنا منها تيجي المستشفى.
لما وصلت، راجعت الأوراق وقالت
المستندات دي مهمة جدًا، ولازم نعمل منها صور ونحفظ الأصول في مكان آمن، وكمان لازم نثبت الاعتداء اللي حصل على الأستاذ مراد.
مراد قال
أنا عندي حاجة تانية عايز أوريهالك.
طلع من العلبة ورقة مطوية بعناية.
كانت خريطة قديمة للأرض، وعليها علامات بالقلم الأحمر.
المحامية بصت فيها وقالت
العلامات دي معناها إيه؟
مراد رد
دي حدود الأرض الأصلية، وفيه جزء منها جلال بيحاول يضمه لنفسه، وبيزعم إنه اشتراه من شخص مش هو المالك الحقيقي.
المحامية رفعت حاجبها وقالت
يبقى لازم نطلب معاينة رسمية من المساحة، ونراجع سلسلة الملكية كلها.
وقتها فهمت إن الموضوع مش مجرد خلاف بين راجلين على قطعة أرض.
كان فيه تزوير محتمل، واعتداء، ومحاولة استيلاء على ملكية راجل كبير لوحده.
وقررنا إننا مش هنسيب حقه.
بعد يومين، وصل شريف ابن مراد.
كان راجل في أواخر الأربعينات، طويل وملامحه فيها شبه كبير من أبوه.
أول ما دخل الأوضة، جري عليه وحضنه.
يا بابا! إنت عملت فينا إيه؟ إحنا كنا بندور عليك في كل حتة!
مراد مسح على شعره وقال
حقك عليا يا ابني، ما كنتش عايز أقلقكم.
شريف بصلي وقال
حضرتك اللي لقيتي والدي؟
ابتسمت.
لا، لوزة هي اللي لقيتني وجابتني له.
نزل شريف على ركبته ومسح على راس الكلبة.
ربنا يبارك فيها، دي أنقذت أبويا.
وبعدها بصلي وقال
إحنا مش عارفين نشكرك إزاي.
قلت له
اشكر ربنا، وخلينا نطمن على حق والدك الأول.
جلال يقع في شر أعماله
بعد أسبوع، مراد خرج من المستشفى بعد ما حالته استقرت، وانتقل لبيت ابنه مؤقتًا لحد ما يقدر يمشي كويس.
لكن قبل ما يمشي، طلب مني أقعد معاه لوحدنا.
قال
يا فاطمة، أنا عايز أرجع الأرض.
قلت له
وهنرجعها، متقلقش.
قال
مش بس الأرض، أنا عايز أعرف مين اللي حاول يحرق بيتي، ومين اللي اعتدى عليا.
المحامية كانت بدأت بالفعل إجراءات قانونية، وقدمت بلاغًا مدعمًا بالمستندات والتقارير الطبية.
وبعد مراجعة الأوراق، اتضح إن فيه عقد بيع قدمه جلال للشهر العقاري، لكنه صادر من شخص لا يملك الأرض أصلًا.
والأغرب إن توقيع مراد الموجود على العقد كان مختلفًا عن توقيعه الحقيقي.
طلبت النيابة فحص العقد والتوقيع، وتم استدعاء الأشخاص اللي شهدوا على عملية البيع المزعومة.
وفي نفس الوقت، بدأ رجال المباحث يجمعوا معلومات عن واقعة الحريق والاعتداء.
بعد أيام، وصلتنا مفاجأة.
واحد من العمال اللي كان شغال عند جلال قرر يتكلم، وقال إنه شاف بعينه اتنين من رجاله وهما بيهددوا مراد، وإنه كان موجود وقت الحريق وشاف واحد منهم بيطلع جركن بنزين من العربية.
الراجل وافق يدلي بأقواله رسميًا، وقدم تسجيل صوتي كان محتفظ بيه على موبايله، فيه جلال بيتكلم عن ضرورة إخلاء الأرض بأي طريقة.
لما سمعت التسجيل، حسيت بالغضب.
جلال كان مستعد يضيع مستقبل راجل عجوز عشان يضم أرضه لنفسه!
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن جلال مش بس كان طمعان في أرض مراد.
ده كان كمان عايز المبنى اللي فيه مطعمي.
رجب اتصل بيا في يوم وقال
يا ست أم فريدة، جلال بعت حد النهارده يسأل صاحب العقار إذا كان موافق يبيع المبنى.
قلت له
هو لسه ما زهقش؟
لا، وبيقول إن المطعم مش هيكمل شهرين.
ضحكت وقلت
سيبه يقول اللي هو عايزه، أنا مش هقفل مطعمي عشان واحد فاكر نفسه يقدر يشتري كل حاجة.
لكن بعدها بيومين، وصلني إنذار من صاحب العقار بفسخ عقد الإيجار بحجة وجود مخالفات.
اتصدمت.
اتصلت بالمحامية، وبعتلها صورة الإنذار.
قالت لي
ما تقلقيش، هنراجع العقد، ومفيش حد يقدر يخرجك من المكان بالطريقة دي من غير إجراءات قانونية سليمة.
وفي نفس اليوم، اكتشفت إن جلال قدم شكوى للحي ضدي، مدعيًا إني بسمح بدخول الحيوانات للمطعم.
لكن المفاجأة إن المفتش اللي جه عاين المكان بنفسه، ولقى المطعم ملتزم بالنظافة والاشتراطات، وكتب تقرير إن مفيش مخالفة تستوجب الإغلاق.
جلال بدأ يفقد أعصابه.
وبعد كام يوم، وأنا واقفة قدام المطعم بقفل الباب، لقيته واقف قدامي.
قال
إنتِ فاكرة نفسك كسبتي؟
رديت بهدوء
أنا مش داخلة معاك في منافسة يا جلال، أنا عايزة أعيش في حالي.
ضحك وقال
الراجل اللي أنقذتيه ده هيدخلك في مشاكل مش هتخرجي منها.
بصيت له في عينه وقلت
اللي يدخل في مشاكل هو اللي بيظلم الناس، مش اللي بيساعدهم.
قرب مني وقال
آخر مرة هقولك، ابعدي عن مراد.
في اللحظة دي، صوت عربية وقف جنبنا.
نزل منها شريف ابن مراد، ومعاه المحامية الأستاذة هبة.
شريف قال بصوت حازم
فيه مشكلة يا أستاذ جلال؟
جلال رجع خطوة لورا وقال
مفيش، أنا كنت بسلم على الحاجة فاطمة.
المحامية ابتسمت وقالت
كويس، لأننا كنا بندور عليك عشان فيه استدعاء رسمي ليك في البلاغ المقدم ضدك.
وشه اتغير.
حاول يتظاهر بالهدوء، وقال
أنا مش فاهم بتتكلموا عن إيه.
ردت هبة
هتفهم لما تسمع أقوال الشهود وتشوف نتيجة فحص المستندات.
جلال ركب عربيته ومشي بسرعة.
وأنا حسيت لأول مرة إن الحق بدأ يظهر.
الحقيقة اللي رجعت بعد 58 سنة
بعد حوالي شهر، بدأت الأمور تتغير.
التحقيقات كشفت إن جلال كان متورط في تقديم مستندات مزورة للاستيلاء على أرض مراد، وإن فيه عاملين عنده شاركوا في تهديده والاعتداء عليه.
اتعملت الإجراءات القانونية اللازمة، واتحفظ على المستندات المزورة، واتحولت القضية للجهات المختصة.
أما جلال، فبقى مطلوب منه يواجه الاتهامات اللي اتوجهت له، وبدأت تتكشف تفاصيل أكتر عن محاولاته للاستيلاء على أملاك ناس تانية.
وفي يوم، كنت قاعدة في المطعم، ودخل شريف ومعاه مراد.
كان مراد بيتحرك بعكاز، لكن وشه رجع له لونه، وبقى يقدر يمشي خطوات بسيطة.
أول ما شفته قلت
يا أهلاً بأهل الغاليين! إيه الزيارة الحلوة دي؟
ضحك وقال
جايين نشوف الست اللي أنقذت حياتي، ونعزمها على حاجة حلوة.
قلت له
إنت اللي محتاج تتعزم، اقعد وأنا أعملك أحلى فطار.
قعد مراد في نفس الترابيزة اللي كان بيقعد عليها عم صبحي زمان.
لوزة دخلت وراه، وكانت رجليها اتعالجت، والجرح اللي في رقبتها اختفى تقريبًا.
رجب جاب لها طبق أكل مخصوص، وقال
اتفضلي يا ست لوزة، من النهارده ليكي وجبة يومية على حساب المطعم.
ضحكنا كلنا.
وبعدين مراد طلع ظرف من جيبه وحطه قدامي.
قلت له
إيه ده؟
قال
افتحيه.
فتحته، ولقيت جواه شيك بمبلغ كبير.
بصيت له باستغراب وقلت
إيه ده يا مراد؟!
قال
دي مكافأة ليكي على اللي عملتيه معايا.
رجعت الظرف ناحيته وقلت
لأ يا مراد، أنا مش عايزة منك فلوس.
قال
دي مش فلوس مقابل معروف، دي هدية من شخص ممتن لواحدة أنقذت حياته.
قلت له
لو عايز تفرحني بجد، تعالى المطعم كل يوم، وخلي لوزة تاكل كويس، وأنا هبقى مبسوطة.
ابتسم وقال
طب عندي اقتراح تاني.
بصيت له.
قال
أنا عرفت إن إيجار المطعم زاد عليكي، وإن صاحب العقار بيضغط عليكي عشان تسيبي المكان.
اتنهدت وقلت
أيوه، بس ربنا يسهل.
قال
أنا عندي مبنى صغير في منطقة قريبة من هنا، كان مخزن قديم تابع لأرضي، وهجهزه وأخليه مطعم ليكي، من غير إيجار.
اتصدمت.
إنت بتقول إيه يا مراد؟
قال
بقول إنك تستاهلي تكملي شغلك من غير ما حد يهددك كل شهر بزيادة الإيجار.
قلت له
يا ابني، أنا مش عايزة أحملك جميل فوق جميل.
ضحك شريف وقال
اعتبريها شراكة، وإحنا هنساعدك في التجهيز، وإنتِ تديري المكان زي ما بتحبي.
فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قلت
موافقة، بس بشرط.
مراد سألني
إيه هو؟
قلت
لوزة يبقى ليها مكان مخصوص قدام المطعم، وأي كلبة أو قطة جعانة تدخل عندي، محدش يطردها.
ضحك مراد وقال
اتفقنا.
هدية من الماضي
بعد ما الأمور استقرت، رجعت أراجع الجوابات القديمة اللي مراد احتفظ بيها.
وفي يوم، وأنا قاعدة في بيتي، لقيت صورة قديمة لعبدالعزيز.
كان واقف قدام المطعم يوم افتتاحه، وبيضحك وهو ماسك أول لافتة للمكان.
افتكرت كل السنين اللي عشتها معاه.
افتكرت تعبه، ووقوفه جنبي، والليالي اللي كنا بنقفل فيها المطعم متأخر ونرجع البيت مش قادرين نحرك رجلينا.
وفهمت إن الماضي مهما كان فيه حكايات ناقصة، مش معناه إن الحاضر كان غلط.
تاني يوم، رحت لمراد في البيت، واديت له صورة قديمة لعبدالعزيز.
بص للصورة وقال
ده عبدالعزيز؟
قلت له
أيوه، جوزي الله يرحمه.
فضل باصص للصورة، وبعدها قال
واضح إنه كان راجل محترم.
قلت له
كان أحن إنسان عرفته.
مراد ابتسم وقال
وأنا مبسوط إنك عيشتي معاه حياة كويسة.
بصيت له وقلت
وإنت كمان لازم تفتكر إن ربنا رزقك بولاد بيحبوك، وبكلب وفية فضلت جنبك وقت ما الدنيا كلها سابتك.
ضحك وقال
لوزة طلعت أجدع من ناس كتير.
قلت له
دي مش مجرد كلبة، دي روح ربنا بعتها ليك في الوقت المناسب.
المطعم اللي رجع له النور
بعد شهرين، افتتحنا المطعم الجديد.
كان في منطقة هادية على طريق إسكندرية مطروح، واتفقنا نسميه مطعم لوزة.
اللافتة كانت بسيطة، لكن أول ما اتعلقت، حسيت إن قلبي بيرجع ينبض من جديد.
رجب مسك إدارة المطبخ، وشريف ساعدنا في التجهيزات، ومراد كان بييجي كل يوم تقريبًا.
أما لوزة، فكانت صاحبة المكان الحقيقية.
حطينا لها سرير صغير قدام الباب، وطبقين واحد للمية وواحد للأكل.
وفي يوم الافتتاح، دخل راجل كبير في السن، هدومه بسيطة، وماسك عصاية خشب.
وقف عند الباب وبص للكلبة، وبعدها قال
هي دي لوزة اللي الناس بتحكي عنها؟
ابتسمت وقلت
أيوه، اتفضل يا حاج.
قعد، وطلب شاي وساندوتش فول.
ولما جبتله الطلب، طلع من جيبه شوية فلوس صغيرة وقال
أنا
تم نسخ الرابط