ليلـة الكابـوس كـاملة بقلـم منـي الـسـيد

لمحة نيوز

الوجع هو اللي رمى رجلي للمطبخ، وهناك لقيت ونس مكنتش أحلم بيه وسط ريحة العجين والصواني اللي كنت بوزعها لناس عمري ما شفتهم. مكنتش أتخيل إن في يوم من الأيام، هتيجي لي صينية فطيرة عين الجمل تقلب حياتي وتغير قدري تماماً. بقـلم منـي الـسـيد 
لما كان عندي 16 سنة
شفت دنيتي كلها بتتحرق قدام عيني. نار كانون الثاني الباردة أكلت كل حاجة وسبتني مجرد جثة بتتحرك. لكن وسط الفراغ ده، لقيت نفسي بخبز صواني حلويات وفطيرة عين الجمل وأوديها لدار المسنين وللغلابة في الشوارع. مكنتش أعرف إن الطبطبة اللي كنت بوزعها على الناس هترجع لي في أغرب صورة ممكنة.
بقـلم منـي الـسـيد 
الليلة اللي غيرت كل حاجة كانت في قلب طوبة، البرد كان بيقرص لدرجة إن الشباك كان بيعرق مية. كنت نايمة وسماعات الأذن في ودني بحاول أفصل عن الدنيا، وأسمع ضحك أبويا وأمي في الصالة. متوفرة على روايات و اقتباسات الضحك اللي كان بيطمني.
فجأة شميت ريحة كتمت نفسي. شيلت السماعات ولقيت صفارة الإنذار بتصرخ. عم "إبراهيم" أبويا دخل أوضتي زي الإعصار، مسك إيدي وسحبني من على السرير، وجري بيا وسط الدخان وأنا حافية بهدوم البيت لحد ما خرجني على الرصيف وسط التلج.
بص لي بصه أخيرة، ولف ورجع تاني جوه النار.. عشان يلحق أمي وجدي.
التلاتة مخرجوش.. النار أكلت السند والضهر في لحظة.
المعاينات

قالت "ماس كهربائي" في المطبخ. النار مخدتش أهلي بس، دي أخدت البيت، وتحويشة العمر، وصورنا، وحتى "حصان صغير" من الفخار أمي كانت جيباهولي في عيد ميلادي العاشر. كل حاجة راحت.. إلا أنا.
أيام "سكن المغتربات" وكيد الخالة
عشت أيام مفيهاش طعم، مجرد خيال بيمشي وسط الناس. جمعية خيرية ساعدتني ونقلتني "سكن مغتربات" بسيط. متوفرة على روايات و اقتباسات كنت بشارك الأوضة مع بنت ملامحها حزينة زيي، والحمام مشترك، والمطبخ بيخدم 20 بنت. مكنش قصر، بس كان "ستر" ودفء فوق راسي.
كان ممكن أعيش مع خالتي "فوزية"، قريبتي الوحيدة.. بس الست دي كانت شايفة إن "ركن القراءة" بتاعها أهم من لحمها. قالت لي في التليفون:
"معلش يا مريم، البيت ضيق، وجوزي محتاج أوضة المكتب لشغله.. وأنا كمان أعصابي تعبانة ومقدرش أضحي بروقاني عشان مراهقة.. أنا كمان حزينة يا بنتي!"
حزنها ده مخلاهاش تتردد لحظة إنها تلهف نص مبلغ التأمين اللي كان طالع لي. اشترت لنفسها عربية وشنط ماركات، وكانت بتروح متوفرة على روايات و اقتباسات "نادي القراءة" بتاعها بهدوم غالية وتسميها "لبس الحداد الشيك". مسألتش في حاجة، كنت مهدودة من جوايا، وقولت المهم إني بذاكر عشان ألحق مستقبلي.
بقـلم منـي الـسـيد 
بالنهار كنت بذاكر زي اللي بيحارب، وبالليل.. لما البنات يتجمعوا في الصالة، كنت بستلم المطبخ.

بدأت أعمل صواني "فطائر عين الجمل، هريسة، وفطائر تانية" على قد ما فلوس المساعدات تكفي. أشتري الدقيق والسكر والسمنة وأعجن بإيدي.. أوقات أعمل 10 صواني، ومرة وصلت لـ 20.
كنت بأخذهم في كراتين، وأوزعهم "فاعل خير" لدار المسنين وبيت الإيواء، وأسلمهم للممرضات وأمشي بسرعة. مكنتش عايزة شهرة، كنت عايزة أطلع الحب اللي جوايا في "لقمة حلوة".
خالتي فوزية لما عرفت، قالت لي:
"إنتي هبلة؟ بتوزعي الفلوس على ناس ميعرفوكيش؟ كان أولى تبعتي الفلوس دي لخالتك اللي قلبها محروق على أختها!"
مردتش عليها، وفضلت أعجن.. العجين كان هو الحاجة الوحيدة اللي بتهدي رعشة إيدي

بقـلم منـي الـسـيد 
بعد ما كملت 18 سنة بأسبوعين، "عم سكر" موظف الاستقبال الطيب نادى عليا:
"يا مريم، فيه طرد جالك يا بنتي."
كرتونة بنية، عليها اسمي بخط رقعة يجنن، ومن غير اسم راوتر.
فتحتها.. لقيت صينية فطيرة عين الجمل بالمكسرات.
ريحتها كانت "حياة"، وشكلها كان معمول بـ "مزاج" عالي جداً. جيت أقطعها بسكينة عم سكر، السكينة خبطت في حاجة.
تحت طبقة الفطيرة، لقيت علبة قطيفة صغيرة ملفوفة ببلاستيك.. فتحتها وأنا جسمي بيتنفض.
لقيت خاتم جواز أمي اللي ضاع في الحريق، ومعاه مفتاح، وورقة صغيرة مكتوب فيها:
"لبنتي مريم، صاحبة الإيد اللي بتنقط سكر.. صوانيكي خلت أيامي الأخيرة كلها حب ودفء.

متوفرة على روايات و اقتباسات أنا عمري ما شوفت وشك، بس دوقت "نفسك" الطيب. أنا مليش حد في الدنيا، وعايزة أسيب بيتي وكل اللي حيلتي للي عرفت تطعم الناس وهي جعانة حب.
الإمضاء: مارجريت (الست اللي كنتِ بتبعتي لها الحلويات في دار المسنين)."
الختام
بعد تلات أيام، كلمني المحامي "أستاذ نبيل". قالي إن الست "مارجريت" (أو طنط مارجو زي ما كانوا بيدلعوها) سابت لي "فيلا" وعربية ومبلغ في البنك يعدي الـ 5 مليون جنيه.
اتضح إن الممرضة كانت بتراقبني من بعيد بأمر من مارجو عشان تعرف مين البنت اللي بتبعت الحلويات دي كل ليلة. مارجو كانت ست وحيدة وكفيفة، كانت بتعرف نوع الحلوى من ريحتها، وبتقول للمحامي:
"اللي بتعمل الأكل ده، قلبها موجوع بس لسه فيه خير."
خالتي فوزية لما عرفت، اتصلت وهي بتعيط:
"يا مريم ده أنا خالتك حبيبتك.. إنتي نسيتي إننا أهل؟"
رديت عليها بكل هدوء:
"الأهل هما اللي بيفتحوا بابهم وقت الوجع، مش اللي بيخافوا على ركن القراءة بتاعهم." وقفلت السكة.
أنا دلوقتي عايشة في بيت مارجو.. البيت اللي ريحته كتب وورد. ملمستش الفلوس، بس المطبخ بتاعها مبيطفيش. لسه بوزع صواني الحلويات، بس المرة دي بكتب عليها:
"اتعملت بحب.. من حد حاسس بيكم."
صينية فطيرة عين الجمل غريبة غيرت حياتي، بس مش عشان الفلوس.. عشان حسستني إن "جبر الخواطر" عمره ما بيضيع
عند ربنا.

بقـلم منـي الـسـيد 

تم نسخ الرابط