لعبة الكراسي الموسيقية في بيت البحر. بقلم مشيره محمد

لمحة نيوز

لعبة الكراسي الموسيقية في بيت البحر
​مراتي أبويا كلمتني وقالتلي بالحرف: "رجلك ما تخطيش بيت العيلة اللي على البحر تاني، أنا غيرت كل الكوالين." كانت بتتكلم بلهجة فيها شماتة غريبة، رديت عليها ببرود تام: "تمام، شكراً على المعلومة."
​اللي هي ماتعرفوش، إن ماما قبل ما تتوفى كانت عاملة "وقف" وحاطة البيت في صندوق ائتماني خاص باسمي أنا وبس.
​أول حاجة لفتت نظري كانت الشمس وهي بتودع النهار ومنعكسة على شباك شقتي. كان يوم من الأيام اللي بتهد الحيل، تحس إن زحمة المدينة بتسحب طاقتك بالقطارة. اللابتوب كان مفتوح قدامي على الترابيزة، وإيميل مش راضي يخلص بيبصلي وكأنه بيأنبني. كنت واقفة جنب الشباك والموبايل على ودني، بتابع خيالات ناطحات السحاب وهي مرسومة قدام سما لونها ميكس بين البرتقالي والروز.
​وفجأة، الصوت اللي كنت خايفة منه قطع حبل أفكاري:
"أنتي ممنوعة من دخول بيت البحر للأبد."
​كلمات "ديانا" نزلت على ودني زي الكرباج. مسكت الموبايل وجزيت على سناني:
— "نعم؟ بتقولي إيه؟"
— "غيرت كل الكوالين" - قالتها ببطء وهي بتستمتع بكل حرف، كنت متخيلة ضوافرها المدهونة وهي بتخبط بيهم على رخامة المطبخ ببرود - "ما تفكريش حتى تيجي هناك، ده ثمن إنك بوظتي حفلة تخرج مادلين."
​بصيت لشكلي في انعكاس الشباك؛ شعري الأسود ملموم كحكة "أي كلام"، ولابسة سويتشيرت واسع واقع من على كتفي، وعيني باين فيها سواد الليالي اللي ما نمتهاش. وفي الخلفية صوت كلكسات طالعة من الشارع وطيارة

ماشية في السما.
​— "الحفلة؟" - قلتها بالراحة عشان أشوف آخرها إيه - "قصدك الحفلة اللي أنتي أصلاً ما عزمتنيش عليها؟"
سمعت صوت نفسها العالي.
— "نفس الحفلة اللي قولتي للناس فيها إني مشغولة لدرجة إني مش فاضية أحضر حفلة أختي.. اللي هي مش أختي أصلاً؟"
​كنت بحاول أخلي صوتي ثابت؛ السنين علمتني إن الضعف قدام ديانا زي اللي بيرمي أكل لوحش جائع.
ضحكت بمرارة وقالت: "بلاش تمثيل يا ريبيكا، الكل عارف إنك غيورة من مادلين، ودلوقتي انسي إنك تعتبي البيت ده تاني."
​غيورة. دي التهمة الجاهزة عندها من يوم ما اتجوزت بابا.
في لحظة، خيالي سافر لبعيد.. شفت البلكونة الواسعة بسورها الأبيض، والكرسي الهزاز القديم، والبحر اللي ملوش آخر وهو بيلمع وراها. بيت البحر.. وصوت ضحكة ماما وهي بتقولي: "بصي يا ريبيكا على الموجة دي، دي أكبر منك لما كان عندك 5 سنين."
​فوقت من ذكرياتي وقلت بصوت واطي: "البيت ده مش بتاعك عشان تمنعيني منه."
ردت بتحدي: "لا يا حلوة بتاعي، أبوكي نقله باسمي الشهر اللي فات، وبقيت أنا صاحبة الملك، وأنتي مش مرغوب فيكي.. طالعة لأمك، فاكرة دايما إن العالم مديون ليكي بحاجة."
​إهاناتها ما بقتش بتوجعني خلاص.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت: "تمام، شكراً إنك عرفتيني موضوع الكوالين ده."
سكتت لحظة وكأنها اتلخبطت: "قصدك إيه بـ...؟"
رحت قافلة السكة في وشها.
​هدوء غريب سكن الأوضة، وصوت الأجهزة الكهربائية بس هو اللي مسموع.
رحت ناحية مكتبي الصغير، ونزلت على ركبي قدام
درج الملفات، وشديت الدرج الأخير لآخرة.
​كان هناك.. ظرف ورق كبير، حروفه متآكلة شوية، ومكتوب عليه بخط ماما:
"ريبيكا.. ورق بيت البحر.. مهم جداً."
كلمة "مهم" كان تحتها تلات خطوط.
​فتحت الظرف براحة، وطلعت ورق الـ "Trust" اللي ماما مضت عليه قبل وفاتها بتلات شهور. الورق ده بيقول إن البيت ملكي أنا بس. ماما كانت عارفة بالظبط ديانا ممكن تهبب إيه.
​الموبايل رن تاني.. رسالة من ديانا: "أنا بلغت الشرطة فعلاً إنك مش مرغوب فيكي، ما تعمليش لنفسك مشاكل وتحاولي تدخلي."
​"خطوة في القوة.. لبيتي أنا" - قلت لنفسي وأنا ببعث رسالة لـ "إيفيلين" محامية ماما.
الرد جه في ثانية: "ده وقت اللعب على المكشوف، كل شيء جاهز."
​وقبل ما أرد، ظهرت رسالة تانية من رقم غريب..

بعد ما قفلت السكة مع ديانا، مكنتش قادرة أستنى. لبست "عباية" استقبال شيك سوداء ولفيت طرحة قطن خفيفة، وأخدت تاكسي وعلى محامي ماما "أستاذة إيفيلين". دخلت المكتب وأنا بطلع ملف الوقف من الشنطة.
​إيفيلين: "يا ريبيكا، ماما الله يرحمها كانت عارفة إن ديانا عينها من البيت ده من زمان، وعشان كدة عملت (صندوق ائتماني) باسمك.. البيت ده قانوناً لا باباكي يملكه ولا هي تملكه.. ده ملكك إنتي من يوم ما ماما اتوفت."
​أخدت الورق المختوم بختم النسر والموثق، وطلعت على بيت البحر. أول ما وصلت، لقيت ديانا واقفة في البلكونة بـ "ترينج" غالي وماسكة كوباية عصير، وبتبصلي من فوق لتحت بانتصار.
​ديانا بصوت عالي: "أنتي جيتي بجد؟

أنا مش قولتلك الكوالين اتغيرت؟ والشرطة عندها علم؟"
أنا ببرود: "افتحي البوابة يا ديانا، مش عاوزة فضايح قدام الجيران."
​نزلت ديانا وفتحت الباب الحديد الصغير وهي بتضحك: "وريني هتدخلي إزاي بقى.. أنا معايا عقد بيع من أبوكي."
طلعت ورقة الوقف في وشها.. الورقة اللي تقطم الرقبة.
​أنا: "ده ورق الوقف بتاع ماما.. العقد اللي معاكي ده يتبل ويشرب ميته، لأن بابا باع لك حاجة مش ملكه أصلاً. البيت ده باسمي أنا، وبقوة القانون أنتي هنا (مستأجرة) بحد أقصى.. وبما إنك غيرتي الكوالين بدون إذني، فده بلاغ تعدي على ممتلكات غير."
​لون وشها بقى "مخطوف"، وكأن حد ضربها قلم. في اللحظة دي، عربية البوكس وقفت قدام البيت.. كنت أنا اللي طالباهم.
​ديانا بلجلجة: "أنتي بتعملي إيه؟ ده بيت جوزي!"
أنا: "كان يا حبيبتي.. دلوقتي اتفضلي لمي هدومك في شنطك، والشرطة هنا عشان تتأكد إنك هتطلعي بالذوق.. وبلاش تخليني أفتش الشنط وأشوف إيه من ريحة ماما كنتي ناوية تلطشيه."
​دخلت البيت وأنا رافعة راسي، ريحة البحر مع ريحة خشب البيت القديم فكرتني بكل لحظة حلوة. ديانا كانت بتلم حاجتها وهي بتبرطم ودموعها نازلة من الغل، وبنتها مادلين واقفة وراها مش فاهمة حاجة.
​قبل ما تخرج من الباب، بصيت لها وقولت:
"على فكرة.. الكوالين الجديدة اللي أنتي ركبتيها؟ عجبتني قوي.. وفرتي عليا مصاريف تغييرها. يلا.. مع السلامة والقلب داعيلك."
​قفلت الباب وراهم، وقعدت على الكرسي الهزاز بتاع ماما، وبصيت للبحر وأنا
حاسة إن حقي وحقها رجع في مكانه الصح.
​تمت.
 

تم نسخ الرابط