سر الارض. بقلم مشيره محمد

لمحة نيوز

أرملة شابة عندها 32 سنة، بس اللي يشوف وشها يقول دي شالت الهم جبال. جوزها مات فجأة بعد سخونية مكملتش 3 أيام، لا لحق يودعها ولا يوصيها على البنتين الصغيرين اللي سابهم ورقبتهم قد السدادة.
​الناس كلها قعدت تزن فوق دماغها: "يا بنتي ارجعي لبيت أهلك ولمي نفسك"، بس هناء كانت عارفة إن الرجوع معناه نظرات شفقة تكسر الظهر، وكلمة "يا عيني" و"مين هيصرف عليهم" اللي بتدبح. فقررت تعمل اللي مفيش راجل يجرؤ عليه: تعيش لوحدها وتبني حياتها بذراعها.
​راحت اشترت حتة أرض "بور" في آخر القرية، أرض ناشفة زي الحجر وفيه بقايا بيت طين مهدود. السماسرة كانوا بيضحكوا عليها ويقولوا: "الأرض دي مقبرة للفلوس"، بس هناء وقفت قدام السمسار وقالت بكل ثبات: "أنا معنديش رفاهية إني أرجع مكسورة.. امضي العقد وتوكل على الله". وقعت وهي قلبها بيمضي قبل القلم من كتر الخوف.
​أول ليلة في "المقبرة" بقلم مشيره محمد 
​أول ليلة كانت كابوس، فرشت بطانيتين على الأرض الناشفة وضمت بناتها في حضنها. البرد داخل من كل شق، وصوت الكلاب الضالة بيعوي من بعيد، والبنت الصغيرة مرعوبة وكل شوية تصحى تصرخ. هناء كانت ساندة ضهرها على الحيطة وبتبص للسقف المشقق وبتقول في سرها: "يا رب.. استرها معايا ومتشمتش حد فيا".
​مع أول ضوء شمس، ربطت الطرحة، وشالت الرضيعة على ضهرها، ومسكت شاكوش قديم وبدأت ترمم في البيت.. تسد شقوق، تكنس تراب سنين، كأنها بتطبطب على الحيطان عشان تقوم معاها تاني.
​شماتة الجيران
​بعد أسبوعين، الجيران

بقوا ييجوا يتفرجوا عليها، مش عشان يساعدوا، لأ.. عشان يشوفوا هتقع إمتى. واحدة جارة لسانها سليط وقفت وقالت بسخرية: "إنتي فاكرة نفسك هتعمري هنا؟ ده رجالة شنت ورنت هربوا من الأرض الميتة دي.. شهرين بالكتير وهتلمي هدومك وتمشي". هناء بلعت ريقها وقالت ببرود: "أنا مبعرفش يعني إيه استسلام".
​مرت الأسابيع، والمية كانت بعيدة جداً، تروح نص ساعة شايلة الجراكن وترجع في نص ساعة، وبنتها "آنا" الكبيرة ماشية جنبها شايلة كنكة صغيرة وعاملة نفسها قوية عشان خاطر أمها. هناء اشترت بآخر قرش معاها بذور فاصوليا وقرع وزرعتهم، لكن الأرض كانت بترفض الحياة.. تزرع والزرع ينشف ويموت، مرة وتانية وتالتة، لحد ما قعدت على التراب وعيطت من قهرتها.
​السر المدفون
​وفي ليلة قمرها ضعيف، سمعت بنتها "آنا" بتقول لأختها: "ماما قوية أوي، بس ساعات بتعيط وإحنا نايمين". الجملة دي كانت زي الكهرباء، هناء قامت وقالت: "أنا هحفر.. لازم ألاقي مية.. لازم".
​تاني يوم جابت فأس وبدأت تحفر في نص الأرض تحت الشمس الحارقة وضهرها بيتقطع. وفجأة.. الفأس خبط في حاجة ناشفة.. بس مش حجر، ده صوت معدن!
نزلت في الحفرة وبدأت تمسح التراب بإيدها، لقت "حلقة حديد" مصدية ومدفونة في قماش قديم. قلبها كان هيقف من الدق، شدت الحلقة ولقيت إنها غطاء لفتحة حجرية.. كأنها مدخل لأوضة سرية تحت الأرض!
​وهي لسه بتستوعب، سمعت صوت رجلين وراها.. لفت لقت "الجارة" الشمتانة واقفة وعينيها بتلمع بطمع مخيف وقالتلها: "لقيتي إيه يا هناء؟ قوليلي
بسرعة قبل ما حد يشم خبر!".
​وفي نفس الثانية، تليفون هناء رن برقم غريب، ولما ردت سمعت صوت راجل بيقول جملة خلت جسمها يتنفض: "اطلعي من الأرض فوراً.. اللي فتحتيه ده مش كنز.. ده السبب اللي موت ناس كتير قبل جوزك!". 

السر اللي بيحرق الأرض. 
​هناء تجمدت مكانها، التليفون في إيد والفأس في الإيد التانية، والجارة "ستيتة" عينيها هتطلع على الحفرة. الراجل على الخط صوته كان مرعوب وقفل السكة فوراً. هناء بصت للجارة وقالتلها بحدة: "مفيش حاجة يا خالتي، ده حجر سدّ الفأس.. اتفضلي شوفي وراكي إيه."
​ستيتة مشيت وهي بتبرطم، بس هناء كانت عارفة إن ليلتها مش هتعدي. استنت لما الدنيا ليلت تماماً، ونيمت بناتها، وولعت كشاف صغير ونزلت الحفرة تاني. شدّت الحلقة الحديد بكل قوتها لحد ما ضهرها طرقع، والغطاء الحجري اتزحزح.. وطلعت ريحة "عفن" وتراب قديم تخنق.
​إيه اللي كان تحت الأرض؟
​نزلت هناء بقلب ميت، ولقت أوضة صغيرة مبنية بطوب أحمر قديم جداً، وفي النص كان فيه "صندوق خشب" متغطي بجلد تمساح ناشف، وجنبه "مواسير نحاس" غريبة داخلة في جسم الأرض.
​فتحت الصندوق وهي بتترعش، ملقيتش ذهب ولا كنز.. لقت "أوراق وخرائط قديمة" وعليها ختم "شركة مناجم" من أيام الإنجليز، ومعاها "زجاجات صغيرة" فيها مادة سودة تقيلة زي الزيت.
​السر طلع إيه؟
الأرض دي مكنتش "بور" عشان ميتة، الأرض دي كانت "مسمومة". المواسير النحاس دي كانت بتسرب مواد كيميائية "زئبق ومخلفات" مدفونة من عشرات السنين تحت البيت القديم.
جوز هناء لما كان بييجي يوضب الأرض زمان قبل ما يموت، شرب من البير القريب اللي المادة دي اتسربت ليه، وعشان كدة مات بسخونية مفاجئة "تسمم حاد"، وده كان السبب إن الزرع بيموت أول ما جدره يلمس التراب.
​المفاجأة الصادمة
​وهي بتقلب في الورق، لقت ورقة مكتوب فيها إن الأرض دي تحتها "عرق معدن" غالي جداً، وإن فيه ناس كبار في البلد عارفين السر ده، ومسممين الأرض ومطلعين عليها إشاعات إنها "ملعونة" عشان محدش يشتريها، وياخدوها همّ بتراب الفلوس لما هناء تفشل وتبيع! بقلم مشيره محمد 
​الراجل اللي اتصل بيها طلع "المحامي" بتاع الشركة القديمة، ضميره أنبه لما عرف إن فيه أرملة وبناتها هيموتوا زي ما غيرهم مات.
​الخاتمة: هناء مبعتش الأرض
​هناء متهدتش.. عرفت إن حق جوزها في الأرض دي. راحت بالورق ده لمهندس زراعي "ابن حلال"، وساعدها تبلغ عن "المخلفات المدفونة". الحكومة جت وشالت التلوث، وأجبرت الناس "الحيتان" اللي كانوا طمعانين فيها يدفعوا تعويض لهناء عشان التستر على المصيبة دي.
​النهاية:
الأرض اللي قالوا عليها "مقبرة"، بقت بفضل ذراع هناء وصبرها "جنينة". زرعت فيها شجر جميز وزيتون جدره قوي، وبنت بيت بالخرسانة والحديد، وبناتها كبروا وهم عارفين إن أمهم محفرتش بس في الأرض.. دي حفرت في الصخر عشان تثبت إن "الست المصرية" لما بتعوز، بتخلي الأرض البور تطلع طرح وحق.
​والجارة ستيتة؟ كل ما تعدي من قدام البيت، تبص للأرض وتتحسر، وهناء تبتسم وتقول: "الأرض مبترحمش الضعيف.. بس بتطرح للي
بيصونها."
​تمت. بقلم مشيره محمد

تم نسخ الرابط