فرح فى دار المسنين بقلم مشيره محمد
عيلتي رفضوا يحضروا فرحي أول ما عرفوا إنه هيتعمل في دار مسنين…
بس عشان جدي يقدر يكون موجود.
أبويا بصلي بقرف وقال:
"إنتي عار علينا!"
والباقي ضحكوا… كأنهم متفقين عليا.
بس أنا ما اتكلمتش…
ابتسمت بهدوء، مسكت إيد خطيبي، ومشيت ناحية الكوشة كأني مش سامعة ولا كلمة.
المكان كان بسيط… زيادة عن اللزوم.
ريحة مطهرات في الجو، وكام وردة بيحاولوا يجمّلوا المشهد.
الكراسي كانت فاضية…
فاضية من أهلي… من الناس اللي المفروض كانوا سندي.
خطيبي بصلي وقال بهدوء:
"يمكن ييجوا لسه…"
بس إحنا الاتنين كنا عارفين الحقيقة…
محدش هييجي.
لما قلت لهم قبل كده إن الفرح هيكون هنا، أبويا سخر مني:
"دار مسنين؟! إنتي اتجننتي؟! عايزة تفضحينا؟!"
وأمي… سكتت.
وسكوتها كان أقسى من أي كلام.
وقفت ثابتة… رغم إن جوايا كان بيتكسر.
لحد ما فجأة…
صوت عصاية خبطت في الأرض.
جدي… كان واقف.
الممرضة حاولت تساعده، لكنه وقفها بإيده وقال:
"سيبيني… لازم أتكلم."
الدنيا سكتت تمامًا.
بص حوالينه وقال بصوت ضعيف… بس كله قوة:
"في ناس كتير رفضت تكون هنا النهارده… عشان شايفين الموضوع عيب."
سكت لحظة… وبعدين كمل:
"بس محدش فيهم سأل نفسه ليه الفرح ده هنا أصلًا."
قلبي كان بيدق بسرعة…
وقال:
"أنا بقالى سنين بعيد عنهم… مش بإرادتي… هم اللي بعدوني."
الكل كان سامع… حتى اللي مش موجودين.
"من سنين… وأنا في المستشفى… ابني مضى على ورق وقال إني مش واعي… وخد كل حاجة مني."
صمت تقيل وقع على المكان…
وبعدين بصلي… وقال:
"والبنت دي… هي الوحيدة اللي رجعتلي… الوحيدة اللي سألت عليا… الوحيدة اللي ما سابتنيش."
دموعي نزلت غصب عني…
"علشان كده إحنا هنا النهارده…
مش عيب…
ده شرف." مشيره محمد
ولا حد بقى بيضحك…
وفي اللحظة دي…
كل
كان بيتمنى إنه كان موجود… بس خلاص.
الحقيقة وصلت… حتى لو متأخر.
بعد كلام جدي…
المكان كله كان ساكت، بس مش أي سكوت…
سكوت تقيل، كأنه بيحاسب كل واحد على اللي عمله.
الموظفين في الدار كانوا بيبصوا ليّا بنظرة مختلفة…
مش شفقة…
احترام.
وخطيبي شد على إيدي أكتر، وكأنه بيقولي: "أنا هنا… ومش هسيبك."
المراسم كملت…
من غير أهلي…
بس لأول مرة حسيت إني مش لوحدي.
الناس اللي في الدار… كبار السن…
بقوا هم العيلة.
واحدة ست كبيرة كانت قاعدة في الصف التاني بدأت تعيط،
وقالت بصوت عالي:
"يا بختك يا بنتي… عندك قلب بجد."
وبعدها… واحد ورا التاني…
كلهم بقوا يسقفوا.
تصفيق بطيء في الأول…
وبعدين بقى عالي… قوي… حقيقي.
لدرجة إني ما قدرتش أمسك نفسي… وعيطت.
مش عياط حزن…
عياط راحة.
بعد الفرح، الفيديو انتشر.
كل كلمة قالها جدي وصلت…
وأهلي شافوه.
أبويا حاول يتصل… مرة… واتنين… وعشرة.
ما رديتش.
أمي بعتت رسالة:
"إحنا ما كناش نعرف الحقيقة."
بس الحقيقة؟
إنهم ما حاولوش يعرفوا أصلاً.
بعد كام يوم…
جدي قعد مع محامي.
والقرار كان واضح وصادم…
كل حاجة كان بيملكها…
كتبها باسمي.
مش انتقام…
لكن تقدير.
وقاللي وهو بيبتسم:
"أنا باخد حقي منك حب… مش فلوس."
الأخبار دي نزلت زي الصاعقة على أهلي.
نفس الناس اللي كانوا شايفيني عار…
بقوا فجأة عايزين "يصلّحوا اللي حصل".
بس المرة دي…
أنا اللي سكت.
مش ضعف…
لكن اكتفاء.
عدّى وقت…
وجدي بقى أحسن شوية، ونقلناه مكان أهدى، وكنت بروح له كل يوم.
وفي يوم…
مسك إيدي وقال بهدوء:
"أنا مطمن عليكي دلوقتي."
وبعدها بأيام قليلة…
رحل.
بس المرة دي…
ما كانش لوحده.
أنا كنت جنبه.
وفي جنازته…
أهلي جم.
واقفوا بعيد…
ساكتين… مكسورين.
بس أنا
لأني أخيرًا فهمت حاجة واحدة:
العيلة مش بالدم…
العيلة بالمواقف.
النهاية بقلم مشيره محمد