قوة القانون
جوزي كان فاكر نفسه فرعون.. محامي شاطر وعارف إزاي يلعب بالقانون ويطلع من أي مصيبة زي الشعرة من العجين. بس اللي مكنش يعرفه.. إن الشخص اللي بيعلم الناس دي "يعني إيه قانون".. يبقى بابا!
أنا "آنا".. بقالي سنين مخبية عليهم إن والدي هو رئيس المحكمة العليا. كنت عايزة أعيش حياة طبيعية، بس النهاردة في عز عيد الميلاد، كنت واقفة على رجلي من 5 الصبح وأنا في شهري السابع، بجهز العشا لعيلة جوزي "ديفيد".. عيلة مبيطمرش فيها العيش والملح.
لما طلبت أرتاح دقايق عشان وجع ضهري، حماتي "سيلفيا" رمت الأكل في وشي وقالتلي بمنتهى القرف: (الخدامين بياكلوا في المطبخ وهم واقفين.. اعرفي مقامك!).
بصيت لـ "ديفيد" عشان يلحقني، لقيته بيكمل شرب نبيذه ببرود وقالي: (اسمعي كلام أمي يا آنا.. متكسفيناش قدام زمايلي).
فجأة.. حسيت بوجع عمري ما شفته. وقعت من طولي، بس "سيلفيا" محمتنيش.. بالعكس، دي زقتني بكل قوتها وقالتلي: (بلاش تمثيل عشان تتهربي من الشغل!).
خبطت في رخامة المطبخ.. وفي ثانية، البلاط الأبيض اتحول للون الأحمر.. دم!
صرخت بكسرة: (ابني بيموت! اطلب الإسعاف يا ديفيد!).
دخل "ديفيد" المطبخ، وبدل ما يتخض عليا، بص للساعة وقالي بقسوة: (انتي دايماً بتعملي دوشة وفوضى.. قومي نظفي القرف ده فوراً عشان الضيوف
لما حاولت أطلع تليفوني، خطفه من إيدي ورماه في الحيطة كسره.. وقال بصوت زي التلج: (لا إسعاف ولا زفت.. أنا بقيت شريك في المكتب ومش عايز فضيحة.. وانسي إن حد يصدقك، أنا بلعب جولف مع قائد الشرطة، وإنتي مجرد يتيمة ملهاش حد.. أنا ممكن بكلمة أدخلك المصحة النفسية).
في اللحظة دي.. الخوف اللي في قلبي مات، واتولد مكانه غضب يحرق عيلة "ميلر" كلها.
بصيتله بهدوء غريب وقلتله: (إنت فعلاً محامي شاطر يا ديفيد وعارف القانون كويس.. بس اللي إنت متعرفوش.. مين اللي بيكتب القانون ده!).
ارتبك ثانية، فقلتله بنبرة آمرة: (هات تليفونك.. واتصل بالرقم ده!).
ضحك بسخرية وفتح السبيكر عشان يهين "أبويا الغلبان" زي ما كان فاكر.
رن التليفون.. مرة.. التانية..
وجاء الصوت الجهوري اللي بيهز قاعات المحاكم: (من المتحدث؟ عرف نفسك!).
"ديفيد" رد بتكبر: (أنا ديفيد ميلر زوج آنا، وبنتك بتمر بنوبة هستيرية و..).
مقدرش يكمل جملته.. لأن الصوت اللي رد عليه خلاه يتجمد مكانه، ولونه يهرب منه:
(أنا رئيس المحكمة العليا يا ديفيد.. وعارف إنك بتكلمني من تليفونك الشخصي.. وعارف كمان إنك بتسجل المكالمة دي في بيتك اللي هتحلم تدخله تاني من اللحظة دي!).
في اللحظة دي، "ديفيد" وقع على ركبه، والتليفون وقع من إيده.. عرف
بصيتله وأنا ماشية مع رجالة والدي اللي دخلوا البيت في دقايق وقلتله:
(القانون اللي كنت بتلعب بيه.. النهاردة هيتحط على رقبتك!).
الصورة:
رجالة بابا دخلوا البيت زي الإعصار… مفيش صوت غير صوت خطواتهم التقيلة، ونظراتهم اللي كانت كفاية تخلي أي حد يرتعش.
"سيلفيا" حاولت تتكلم، بس صوتها خانها: (في إيه؟ إنتوا مين؟ إزاي تدخلوا بيتي كده؟!)
واحد من الرجالة بص لها ببرود وقال: (ده مش بيتك من دلوقتي… ده بقى مسرح جريمة!)
"ديفيد" كان لسه واقع على ركبه، بيبصلي وكأنه أول مرة يشوفني: (آنا… إنتي… إنتي كنتي بتكذبي؟!)
ضحكت ضحكة وجعت قلبي قبل ما توصله: (لا يا ديفيد… أنا بس مكنتش بقول الحقيقة… وفرق كبير بين الاتنين).
في اللحظة دي، دخل بابا بنفسه… هيبته لوحدها خلت الكل يسكت. حتى النفس بقى بيتاخد بالعافية.
بصلي أولاً… عينه مليانة خوف عليا مش غضب: (آنا… بنتي… إنتي كويسة؟)
وقتها بس… القوة اللي كنت ماسكة نفسي بيها وقعت… ودموعي نزلت: (كانوا هيموتوا ابني يا بابا… كانوا هيسيبوني أنزف…)
ملامحه اتغيرت في ثانية… بقى قاسي بشكل مخيف، وبص لـ "ديفيد": (إنت مش بس فشلت كزوج… إنت دلوقتي متهم رسمي بالشروع في القتل، والعنف الأسري، وإتلاف
"ديفيد" حاول يتكلم: (س… سيادة المستشار… أنا…)
بابا قاطعه بإشارة واحدة: (متتكلمش… المحامي بتاعك هو اللي يتكلم من دلوقتي… لو لقيت حد يرضى يدافع عنك أصلاً!)
أما "سيلفيا"، فكانت بتصرخ: (دي بتلفق! دي بتمثل!)
واحدة من الرجالة شغّلت تسجيل… صوت "ديفيد" وهو بيهددني كان واضح… كل كلمة قالها رجعت تضربه في وشه.
ساعتها… انهارت.
الإسعاف وصل أخيراً… بس المرة دي مش بمزاج "ديفيد".
وأنا خارجة على الترولي، مسكت إيد بابا: (أنا تعبت يا بابا… بس أنا قوية… عشان إنت معايا).
ابتسملي بحنان: (وأنا معاكِ للنهاية… واللي لمس شعرة منك… هيدفع عمره كله تمنها).
قبل ما الباب يتقفل، بصيت لـ "ديفيد" آخر نظرة… مش كره… ولا حتى انتقام… كانت نظرة واحدة بس: انتهيت.
بعد شهور…
كنت قاعدة في أوضتي في بيت بابا، شايلة ابني بين إيديا… "آدم"… الحياة اللي حاولوا يطفوها… وبقت نور حياتي.
التليفزيون شغال في الخلفية: "الحكم بالسجن المشدد 15 سنة على المحامي ديفيد ميلر في قضايا عنف أسري وشروع في القتل واستغلال نفوذ…"
قفلت التلفزيون بهدوء… وبصيت لابني: (حقك رجع يا حبيبي… ومحدش هيقدر يكسرنا تاني).
وبين ما أنا بهدهده… حسيت لأول مرة من سنين… إني حرة.
وإن العدالة… مش دايماً بتتأخر…