تورتة اخر الليل مشيره محمد
أنا روان، عندي 32 سنة، ست لوحدها وحياتي كلها بتدور حوالين بنتي ليلّا.
خلفتها وانا عندي 18 سنة. أهلي ما شافوهاش نعمة، بالعكس شافوها غلطة. وقطعوا كل علاقتهم بيا، خلي سمعتهم أهم من العيلة. فمن يومها واحنا الاتنين بس.
مفيش سند غير حبنا لبعض وإصرارنا نعيش كويس.مشيره محمد
وليلّا كبرت وبقت أحسن شخص كنت أتخيله.
دايمًا قلبها كبير: تساعد من غير ما تقول حاجة، دايمًا فاكرة الناس اللي غيرها ما بيبصوش عليهم. أسبوع تعمل جمع تبرعات للأطفال، والأسبوع اللي بعده تودّي أكل للحيوانات الضايعة. كنت قبل كده أقلق إنها بتدي كتير من نفسها.
الأسبوع اللي فات رجعت البيت وهي مشغولة في تفكيرها.
"ماما، عايزة أخبز." قالت.
ابتسمت وقلت لها: "كام؟"
"أربعين." قالت.
فكرت إنها بتضحك.
لكن لأ، كانت جد.
ست من دار المسنين قالت لها إنهم بقالهم سنين ما كلّوش حلويات بيتية. "كده الناس تحس إنها متذكّرة"، شرحت ليلّا.
فقررت تعمل أربعين تارت.
المطبخ بتاعنا اتحول لمزيج من الفوضى والفرحة: دقيق على كل حتة، تفاح على الأرض، قرفة في الهوا. اشتغلت ساعات من غير ما تتكلم، كأن كل تارت ليه معنى كبير.
ولما وصلنا التارت… الناس كانت بتعيط.مشيره محمد
واحد مسن مسك إيدها كأنها رجعتله حاجة كان فاكر
واحنا راجعين البيت، كنت مش قادرة أبطل أبص لها وأفكر لنفس الحاجة: يمكن أنا عملت حاجة صح.
الليل ده حضني جامد أكتر من العادي.
"عمرك ما استسلمتِ معايا"، همست.
"أبدًا"، رديت لها.
الساعة 5:12 الصبح اللي بعده، حد بدأ يطرق على الباب.
مش بيخبطوا برضة… بيطرقوا.
طلعت بصيت، ولقيت شرطتين واقفين.
إيدي كانت بتترعش قبل ما أفتح.
"حضرتك روان؟" سأل واحد منهم.
"آه."
"وبنتك ليلّا هنا؟"
إيدي الصغيرة مسكت ضهري. قلبي اتقلّ.
"أه، موجودة. في إيه؟"
الشرطية بصت في عيني بنظرة صعب أفهمها.
"مدام… محتاجين نتكلم عن اللي بنتك عملته امبارح."
وفي اللحظة دي، كل اللي كنت فاهمه عن تصرفها الطيب البسيط بقى مش واضح خالص.
عشان اللي حصل بعد ما خرجنا من دار المسنين…
كان كبير لدرجة إن الشرطة تيجي البيت الصبح بدري.
#مشيره_محمد
في الأول ضحكت وأنا سمعت “أربعين تارت؟”
بس ليلّا كانت جدّية.
بدأت تحكيلي عن دار المسنين، عن ست كبيرة مكنش جربت حلويات بيتية بقالها سنين، وعن راجل كان بيكل تارت تفاح كل يوم أحد لما مراته كانت عايشة… وبعدين قالت حاجة خلّتني مش عارفة أتكلم:
“ده بيخلي الناس تحس إنها متذكّرة.”
كنت مفروض أقول لأ… ما كانش معانا فلوس كفاية، ولا مساحة، ولا وقت.
لكن هي كانت مجهزة
وفي الآخر، وافقت… مش لأن الموضوع منطقي، لأ… بس لأنها كانت جديّة.
السبت ده، مطبخنا اتحوّل لفوضى. الدقيق على كل حاجة، التفاح بيتكدس أسرع ما نقدر نقطع، وريحة القرفة في الهوا قوية لدرجة كأننا بنكهرب منها.
في لحظة، قلت لها: “المرة الجاية اكتبي كارت معاها.”
ضحكت وكملت شغل.
بعدها وقفت دقيقة وسألت:
“ماما… تحسي الناس ساعات بتبقى مخفية؟”
وقفت وفكرت…
“يعني إيه؟” سألت.
هزّت كتافها خفيف.
“الكل بيتكلم إن الأطفال محتاجين اهتمام… بس الكبار كمان. ساعات بحس الناس بيسيبوا يشوفوهم كأنهم مش مهمين.”
ما كانش عندي رد سهل… قلت الصراحة:
“أيوه… ده بيحصل.”
وابتسمت ورجعت تعجن.
“أنا مش عايزا ده يحصل حواليا.”
ولما وصلنا دار المسنين بالتارت، رد فعل الناس كان فوري… مش بس استغراب، حاجة أعمق.
الناس لفّوا و شمّوا الريحة، وشكلهم اتغيّر، والكلام اتوقف.
وليلّا عملت حاجة أهم من التارت نفسه:
قعدت، سألت الأسماء، سمعت، واهتمت بكل واحد كأنه مهم… مش بس موجود، لأ، مهم فعلًا.
واحد من المسنين جرب قطعة من التارت، قفل عينيه وقال بصوت واطي إنه ما ذاقش حاجة زي دي من يوم موت مراته.
وليلّا ما ضغطتش عليه… بس فضلت موجودة، مستمعة، مهتمة.
بعد
الليل ده حضنتني جامد وقالتلي:
"عمرك ما استسلمتي معايا."
وردّيت: "أبدًا."
بس الساعة 5:12 الصبح، بدأ حد يطرق الباب بطريقة غريبة… مش خبط عادي، كأنه بيصرخ.
طلعت بصيت، ولقيت شرطتين واقفين عند الباب.
يدها الصغيرة ماسكة ضهري، وقلبي اتقفل.
واحد منهم سأل:
"حضرتك روان؟"
"آه."
"وبنتك ليلّا هنا؟"
قلبي كان بيقف من الخوف.
"أه، موجودة. في إيه؟"
الشرطي بصلي بنظرة ماكنتش فاهمة… وقال:
"مدام… محتاجين نتكلم عن اللي بنتك عملته امبارح."
وقتها كل اللي كنت فاهمه عن تصرفها الطيب البسيط بقى مش واضح خالص… وكل حاجة اتقلبت.
اتضح إن التارت اللي عملته ليلّا وصل خبرها بعيد… والناس في دار المسنين صوروا اللحظة ونشروها على الإنترنت. وفجأة، حصلت مشكلة كبيرة: بعض الجهات اعتبرت إن توزيع الطعام من غير تصريح ممكن يكون مخالف للقوانين، وده السبب اللي خلا الشرطة تيجي بدري.
أنا كنت خايفة أوي… بس ليلّا وقفت جنبي وقالتلي:
"ماما… أنا بس عايزة الناس تحس إنها مهمّة."
وفي الآخر، الشرطتين فهموا الموضوع، وبعد شوية كل حاجة اتظبطت، ومفيش حد اتعاقب.
بس بالنسبة لي، لحظة واحدة كانت واضحة:
تمت بقلم مشيره محمد