كامله

لمحة نيوز


دقايق والعلب كانت مرصوصة على الكاونتر، متغلفة وشكلها مثالي.. بس ما كانتش هي دي الحاجة اللي الولد طلبها. رأفت التفت له وقال له بحنية: "تعالى معايا."
الولد تردد ثانية، لأن الدنيا علمته إن الثقة ليها ثمن، بس بص في عين رأفت وشاف فيها حاجة حقيقية.. وهز رأسه ووافق. وفي اللحظة دي، كل حاجة اتغيرت للأبد.
الطريق في العربية كان هادي، البنت الصغيرة نامت ونفسها كان دافي على رقبة أخوها. رأفت كان بيراقبهم في المراية، وحاسس إنهم بيشدوا حتة جواه كان دافنها تحت سنين النجاح.. حتة لسه فاكرة يعني إيه تبقى صغير.. وجعان.. ولوحدك.
وصلوا قصر رأفت في آخر طريق خاص.. مكان ضخم ومبني عشان يحكي قصة نجاحه، بس دلوقتي كان بيحكي قصة "وحدة". الباب اتفتح، والأنوار نورت المكان، وفي نص السلم وقف راجل.. "طارق"، ابن

رأفت، عنده 35 سنة، شيك وواثق في نفسه.. بس فجأة وشه بقى أصفر.
سأل بصوت مهزوز وحد: "إيه اللي جاب دول هنا؟ يا بابا لازم تمشيهم فوراً."
رأفت ما ردش، كان بيراقب رد فعل ابنه، واللي شافه ما كانش فضول.. كان "خوف".
على السفرة، العيال قعدوا بالراحة، كأن الفرحة دي حاجة ممكن تتاخد منهم لو قربوا لها بسرعة. البنت الصغيرة عينيها لمعت لما شافت الحلويات، ومدت إيديها كأنها بتستأذن من غير كلام.
رأفت سأل الولد: "اسمك إيه؟"
رد: "ياسين.. ودي ليلى."
الحكاية بدأت تطلع حتة حتة.. أهلم ماتوا.. حادثة بالليل.. عربية خبطتهم وما وقفتش.. والنظام فرقهم عن بعض، بس ياسين رفض، ومشي مسافات طويلة في مدينة ما بترحمش لحد ما لقاها وخدها في حضنه، لأنها كل اللي فاضل له.
صدر رأفت ضاق، لأنه افتكر إن من سنة فات كان في بلاغ
عن عربية سودة بتاعته كانت مسروقة.. وتفاصيل مش واضحة.. وفجوات في الحكاية. بص ل ابنه طارق اللي كان صوته طالع من الطرقة وهو بيتكلم في التليفون ب ارتباك.. وبدأت المكعبات تترص في دماغه.
بعد 24 ساعة، الحقيقة كانت على مكتب رأفت.. تقارير، شهود، وتوقيتات مظبوطة بالثانية. ابنه هو اللي كان سايق.. ب استهتار.. ولما خبطهم هرب.
رأفت ما صرخش، لأن في خيانات مابتنفجرش، دي بتغرقك بالراحة لحد ما تكتشف إنك في مكان ما تخرجش منه. ولما طارق دخل المكتب وهو مش فاهم حاجة، وشاف الدوسيه والشرطة واقفة وراه، صوته اتهز: "إنت مش هتصلح الموضوع ده؟" كان مستني الحماية، مش حاسس بالذنب.
رأفت بص له، ولأول مرة ما شافوش ابنه، شاف الشخص اللي هو بقى عليه، وقال كلمة واحدة: "لأ."
طارق اتخد خدوه، وصوته اختفى، والقصر لأول مرة
من سنين بقى مكان "صادق".
بعد خمس سنين..
المخبز لسه مكانه، بس الجو فيه بقى أحسن وأهدأ. جنب الشباك كان في احتفال صغير وضحك مالي المكان. ليلى بقى عندها تمانية سنين، وعينيها بتلمع، وياسين قاعد جنبها، بقى أطول وأقوى، بس لسه ب نفس النظرة الثابتة.
رأفت كان قاعد معاهم، مش كأنه بيتفرج، كأنه واحد منهم.. كأنه لقى عيلة بجد. القصر اللي كان فاضي بقى فيه حياة.. دوشة ولعب وحب حقيقي. اتعلم حاجات ما فيش فلوس في الدنيا تعلمها له.. إزاي يسمع.. وإزاي يفضل موجود.
ليلى وهي بتطفي الشمع، ياسين بص ل رأفت وابتسم ابتسامة شكر. وفي اللحظة دي الكل فهم.. إن العيلة مش بس اللي بتتولد فيها، العيلة هي اللي بتختار تحميها.. وتقف جنبها لما يكون الهروب أسهل.
وأحياناً، كل حاجة بتبدأ ب سؤال واحد بسيط.. العالم كله كان ممكن
يطنشه.
 

 

تم نسخ الرابط