رمى طليقته

لمحة نيوز

وسيف ملتزم.
كل صباح كان ييجي قبل شغله، يشيل واحد من التوأم والتاني على كتفه، يضحكهم، يوديهم الحضانة، ويرجع بالليل بأكل وأدوية وكل اللي يحتاجوه.
مبقاش الراجل المتكبر اللي يعرفه الناس بقى أب بيتعلم من الصفر.
هناء كانت بتراقبه في صمت.
عمرها ما نسيت ليلة الطرد، ولا وجع الولادة لوحدها، ولا الأيام اللي نامت فيها في الشارع وهي حامل.
لكنها كمان شافت حاجة جديدة شافت ندم حقيقي.
في يوم عيد ميلاد التوأم الأول، عملت حفلة صغيرة على السطح. زينة بسيطة، تورتة متواضعة، وجيران بيضحكوا من القلب.
سيف جاب هدية لكل واحد عربية لعبة، وهدية لهناء علبة صغيرة.
دي إيه؟
افتحيها.
فتحتها لقت خاتمها القديم خاتم الجواز الأول، بعد ما صلحه ونضفه.
اتجمدت مكانها.
أنا عارف إن ماليش حق أطلب أي حاجة لكن أنا استنيت سنة كاملة عشان أقولك لو في يوم قلبك لان، أنا مستعد أبدأ من أول وجديد من الصفر.
الناس سكتت، والهوا وقف.
هناء بصتله طويل ثم قفلت العلبة وادتهاله.
قلبه وقع.
قالت بهدوء
الخاتم ده يخص بنت ماتت من سنة البنت اللي كانت بتصدق بسهولة، وتسامح بسرعة.
نزل راسه من الخجل.
لكنها كملت
إنما الست اللي قدامك دلوقتي لازم تتعرف عليها من جديد.
رفع عينه بسرعة.
مدت له ورقة.
طلب شراكة في مشروع حضانة أطفال. أنا هفتح مشروع باسمي ولو عايز تدخل حياتنا، ادخل كشريك محترم، مش كصاحب فضل.
سيف بصلها، وابتسم لأول مرة من قلبه.
مزق الورقة القديمة بتاعة الخاتم، ومسِك الجديدة ووقع فورًا.
بعد شهور، الحضانة نجحت جدًا.
هناء بقت سيدة أعمال
محترمة، وسيف بقى شريك ملتزم وأب ممتاز.
وفي افتتاح الفرع الثاني، التوأم جريوا عليهما وهم بيصرخوا
مامااا! بابااا!
بصت هناء لسيف وضحكت.
ولأول مرة من سنين، مدّت إيدها بإرادتها.
مسكها سيف بخوف كأنه ماسك حلم.
قالت وهي تبص قدامها
المرة دي لو كسرتني، مش هتلاقيني تاني.
رد بصوت مهزوز
المرة دي هكسر الدنيا كلها قبلك، إلا قلبك.
وبدأت حكاية جديدة
مش مبنية على الحب الأعمى.
لكن على الاحترام بعد الألم مرت ثلاث سنين
الحضانة بقت سلسلة معروفة، واتفتحت فروع في أكتر من محافظة.
اسم هناء المنشاوي بقى يتقال في مجال التعليم المبكر بكل احترام، والناس كانت تعتبرها مثال للست اللي قامت من تحت الصفر.
وسيف؟
بقى أول واحد يوصل وآخر واحد يمشي.
يسوق العربية بنفسه، يجيب طلبات الفروع، يحضر اجتماعات، ويرجع بالليل يساعد التوأم في الواجب.
العلاقة بينه وبين هناء كانت هادية ناضجة فيها احترام كبير، لكن من غير كلام كتير عن الماضي.
لحد ليلة مطر شديدة.
التوأم كانوا نايمين، والكهربا قاطعة، وهناء قاعدة في الصالة على ضوء الشموع بتراجع حسابات الفرع الجديد.
سيف دخل بهدوء وحط قدامها كوب شاي.
قالت من غير ما ترفع عينها
شكرًا.
سكت شوية، ثم قال
أنا مسافر بكرة.
رفعت عينها بسرعة
مسافر فين؟
لندن عرض شغل كبير. شراكة مع شركة تعليم دولية. ممكن أرجع بعد سنة.
هناء حاولت تخفي ارتباكها
مبروك.
ابتسم بحزن.
رفضته.
اتصدمت
رفضته؟ ليه؟
بصلها نظرة طويلة وقال
لأن ابنيّ بيصحوا يدوروا عليا كل صباح ولأن في ست هنا استنيت سنين عشان تثق فيا من جديد.
أنا مش هسيبهم.
سكتت هناء وإيديها بدأت ترتعش.
قال بهدوء
أنا اتعلمت إن النجاح الحقيقي مش برا البلد النجاح إني أبقى سند ليكم.
في اللحظة دي، الشمعة انطفت وبقى المكان ضلمة كاملة.
وسيف حس بإيد بتدور عليه.
إيد هناء.
مسكت إيده لأول مرة من غير تردد.
وقالت بصوت واطي
أنا كنت خايفة أحبك تاني.
رد وهو يقرب منها
وأنا كنت خايف ما تستقبليش قلبي لو رجع.
نزلت دمعة من عينها.
يمكن إحنا الاتنين اتغيرنا.
وفي ضلمة البيت، بعيد عن الناس، وبعيد عن الوجع القديم هناء حطت راسها على كتفه.
وفي الصبح، التوأم صحوا لقوا باب الأوضة مقفول لأول مرة من سنين.
فخبطوا وهم بيضحكوا
يا مامااا يا بابااا افتحوا! إحنا جعانين!
ضحكة هناء خرجت من جوه، ومعاها ضحكة سيف.
وكان ده أول صباح لعيلة اتجمعت بجد مرت خمس سنين أخرى
البيت اتملّى حياة.
التوأم كبروا، وبقوا في المدرسة، وكل يوم يرجعوا بحكايات جديدة.
والحضانة اتحولت لمجموعة مدارس صغيرة، وهناء بقت اسم معروف في مجال التعليم، بينما سيف كان دايمًا يقول قدام الناس
أنا مجرد راجل محظوظ اشتغل مع أذكى
ست قابلتها.
هناء كانت تبتسم، لكنها عمرها ما نسيت إن الكلام الجميل لازم يسنده فعل وسيف أثبت ده كل يوم.
في صباح هادي، كانوا قاعدين على سفرة الفطار، والتوأم بيتخانقوا على آخر قطعة توست.
رن جرس الباب.
سيف فتح واتجمد مكانه.
واقفة قدامه كانت ليلى.
لكن مش ليلى القديمة.
لا مكياج، لا فخامة، لا غرور.
وش شاحب، هدوم بسيطة، ونظرة مكسورة.
قالت بصوت ضعيف
ممكن أدخل؟ خمس دقايق بس.
هناء خرجت من المطبخ،
ولما شافتها، سكت المكان كله.
التوأم حسوا بالتوتر، فهناء أخدتهم على أوضتهم بهدوء، ورجعت قعدت قدام ليلى.
ليلى طلعت ملف قديم من شنطتها، وحطته على الترابيزة.
أنا جاية أصلح آخر حاجة أقدر أصلحها.
فتح سيف الملف ولقي أوراق تخص أراضي وشركات كان والده سايبها زمان، واتنصبت فيها ليلى بمساعدة محامي فاسد، واتنقلت باسمها وقت الفوضى.
قالت وهي بتبكي
بعت كل حاجة فاضلة عندي ورجعت الحق لأصحابه. أنا تعبت ومبقتش قادرة أعيش بالذنب.
سيف كان ساكت.
قالت لهناء
أنا ظلمتك ظلم عمري ما هسامح نفسي عليه. كنت فاكرة لو هدّيت بيتك هبقى سعيدة لكن خسرت نفسي.
هناء بصتلها طويل ثم قالت بهدوء
الاعتذار مش بيمسح اللي فات لكنه بيوقف شر جديد.
ليلى هزت راسها، وقامت تمشي.
قبل ما تخرج، التفتت للتوأم اللي كانوا بيبصوا من باب الأوضة.
ابتسمت لهم بحزن وقالت
حافظوا على أمكم دي أقوى واحدة شفتها في حياتي.
ومشيت.
بعد ما الباب اتقفل، سيف قعد على الكرسي كأنه شايل سنين فوق كتفه.
هناء قربت منه وقالت
ارتحت؟
قال بصراحة
أيوه لأول مرة أحس إن الماضي خلص.
في نفس الليلة، طلعوا كلهم على سطح البيت.
الجو كان صافي، والنجوم باينة.
التوأم ناموا على رجليهم من اللعب.
سيف بص لهناء وقال
أنا كنت فاكر إن ربنا عاقبني بيكي لما خسرتك لكن طلع كافئني لما اداني فرصة تانية.
ضحكت وقالت
وفرصتك التالتة؟
إيه هي؟
طلعت من شنطتها تحليل صغير، وحطته في إيده.
بص فيه واتسعت عينه.
إيجابي؟!
هزت راسها وهي تضحك وتعيط
عندنا بيبي جديد.
سيف نزل على ركبته قدامها من الفرحة،
والتوأم صحوا على صوته وهو بيصرخ
أنا هبقى أب تاني!
ضحكوا كلهم، والليل اتملّى فرح.
وأخيرًا البيت اللي بدأ بوجع، بقى مليان رحمة.

تم نسخ الرابط