ممكن ياعمو
“أمل… بخصوص امبارح…”
شدّت نفسها:
“لو سمحت ما تفصلنيش… أشتغل أكتر… مش محتاجة راحة…”
كريم اتفاجئ:
“أنا مش بفصلك.”
بصّت له باستغراب.
“خدي بكرة إجازة.”
الخوف ظهر فورًا:
“لا! لو غبت هيتبدل مكاني… لو ارتحت هخسر… ولو خسرت الشغل هنتطرد… بنتي محتاجة دوا… أنا أقدر أشتغل…”
وساعتها…
انهارت.
عيّطت.
مش عياط شفقة…
عياط حد شايل الدنيا بإيد مجروحة ومش قادر يكمل.
كريم قفل الملف بهدوء:
“إجازة مدفوعة.”
أمل اتجمدت:
“بجد؟”
“آه… خدي بنتك… روحي الحديقة… نامي… ارتاحي.”
خرجت مش فاهمة ده معجزة… ولا فخ.
بعد الضهر…
كريم ساق عربيته من غير هدف.
لحد ما وصل جنب حديقة.
وشافهم.
أمل نايمة على الدكة… وحاضنة بنتها حتى وهي نايمة.
ولمى قاعدة جنبها بهدوء… بتقرا.
كأنه فاهمة إن راحة أمها حاجة مقدسة.
كريم قرب بهدوء…
ولمى أول ما شافته، كان لسه هتتكلم—
“ششش…” قال لها.
وشال الجاكيت بتاعه وحطه عليها.
وساب جنبهم شوكولاتة سخنة وعيش حلو.
ورجع عربيته…
وفجأة…
ذكريات ضربته.
أمه.
كانت بتخيط لحد الفجر…
ضهرها مكسور…
إيديها مجروحة…
اليوم اللي وقعت فيه على الماكينة وهو عنده 13 سنة ومقدرش يساعدها.
حط راسه على الدركسيون:
“أنا بنيت نفس الحاجة اللي قتلتها…”
ولأول مرة
أبرد راجل في المكان ده…
عيّط.
بس اللي عمله تاني يوم…
كان هيغيّر حياة أمل ولمى للأبد.
ومش كل الناس في شركته…
كانوا مستعدين يقبلوا ده.
عاد كريم إلى مكتبه في اليوم التالي، لكنه لم يعد ذلك الرجل "الآلي" الذي يحسب كل شيء بالأرقام. كان وجه أمه وهي تنام على ماكينة الخياطة يطارده في كل ركن. استدعى مدير الموارد البشرية، ومدير الفرع الذي تعمل به أمل.
"أمل السعدني،" قال كريم وهو ينظر للملف، "الست دي بتشتغل هنا بياعة، وبالليل بتخيط لحسابها عشان تكفي مصاريف بنتها. إزاي إحنا كشركة كبيرة مش عارفين إن عندنا مواهب زي دي؟"
المدير ارتبك: "يا فندم، إحنا بنهتم بالأداء في الصالة بس، حياتها الشخصية مش شغلنا."
كريم ضرب المكتب بيده: "لا، شغلنا! من اللحظة دي، أمل السعدني مش بياعة. أمل هتتنقل لقطاع التصميم والجودة. الست اللي بتخيط للفجر عشان تعيش، أكيد بتعرف في تفاصيل الجلد والخياطة أكتر من أي حد قاعد ورا مكتب."
المواجهة في صالة العرض
في اليوم التالي، رجعت أمل للشغل وهي مرعوبة، فاكرة إن "كريم بيه" غير رأيه وقرر يرفدها. كانت واقفة بتمسح فاترينة العرض وإيدها بتترعش، لما دخل كريم ومعه وفد من المديرين.
توقفت أمل عن العمل ونكست رأسها: "أنا جاهزة للشغل يا فندم.. وآسفة
كريم قرب منها، وبص لـ لمى اللي كانت قاعدة في المخزن بتراقب من بعيد. نادى على لمى، البنت جت وهي خايفة، فطلع كريم من جيبه الـ 21 جنيه والورقة المكرمشة ورجعهم لها.
"يا لمى، الـ 21 جنيه دول قيمتهم عندي أكبر من ملايين الشركة دي كلها،" قال كريم بصوت مسموع لكل الموظفين والزبائن. "والدتك مش هتاخد يوم راحة واحد.. والدتك هتاخد راحة من 'الوقفة' دي طول العمر."
التفت لأمل وقال: "أنتي من النهاردة (مراقبة جودة وتصميم) في قسم الجلود. مكتبك هيكون في الدور الإداري، ومرتبك هيتضاعف 4 مرات. وقررت كمان إن الشركة تفتح (حضانة نهارية) في المبنى لكل الموظفات اللي ظروفهم زيك، عشان مفيش طفلة تضطر تستخبى في مخزن تاني."
المؤامرة المرتدة
طبعاً، القرار ده معجبش "نادر"، نائب المدير، اللي كان شايف إن كريم "ضعف" وإن الشركة مش جمعية خيرية. نادر حاول يجمع توقيعات من باقي الشركاء عشان يعترضوا على القرار ويحرجوا كريم، بحجة إن أمل "غير مؤهلة" تعليمياً للمنصب ده.
في اجتماع مجلس الإدارة، وقف نادر وقال بثقة: "يا كريم بيه، البراند بتاعنا عالمي، مينفعش واحدة (خياطة) تمسك قسم الجودة، دي إهانة لتاريخنا!"
كريم بص له ببرود وطلع "شنطة قماش" قديمة وحطها على التربيزة. "الشنطة
فتح القميص، والكل ذهب من دقة الشغل وجماله. "أمل مش بس مؤهلة، أمل هي (الأصل). وإذا كان حد فيكم شايف إن مساندة الناس (ضعف)، يبقى مكانه مش في شركتي."
نهاية الوجع وبداية الحلم
أمل استلمت وظيفتها الجديدة. لأول مرة من سنين، ضهرها مكنش بيوجعها. بقت تقعد على مكتب، وتشوف بنتها لمى بتلعب في الحضانة اللي تحت مكتبها بالظبط.
في يوم، كريم دخل عليها المكتب لقاها بتصمم حذاء صغير جداً، لونه وردي.
"ده لمين يا أمل؟" سألها بابتسامة.
ردت والدموع في عينيها: "ده لـ لمى.. أول مرة أعمل لها حاجة وأنا مش مستعجلة، وأنا مش خايفة من بكرة."
لمى قامت وجريت على كريم، رجله وقالت له: "شكراً إنك مخليتش ماما تختفي."
كريم وطى وباس راسها، وحس إن الـ 21 جنيه دول كانوا "تمن" رجوعه لإنسانيته اللي ضاعت وسط الأرقام والفلوس. القصة مخلصتش عند ترقية، القصة بدأت لما الطفلة الصغيرة علمت الملياردير إن "الراحة" مش رفاهية، دي حق.. وإن القلوب اللي بتشيل الوجع بسكات، هي اللي بتستاهل أحسن عوض في الدنيا.
وأمل؟ أمل بقت من أشهر مصممين الأحذية في المنطقة،
تمت.