ارسلوها عائلتها

لمحة نيوز

أرسلت عائلة ابنتهم التي كانوا يسمونها “القبيحة” لتنظيف إسطبلات مليونير صاحب مزرعة كبيرة، ظنوا أنهم يتخلصون منها إلى مكان لا يراها فيه أحد، ولم يعرفوا أنها ستكون الحلم الذي كان يبحث عنه ذلك الرجل دون أن يعرف.

كان الفجر ما زال مختبئًا خلف الضباب عندما نزلت ليلى من العربة القديمة أمام بوابة مزرعة واسعة قرب أطراف مراكش، وهي تحتضن كيسًا قماشيًا صغيرًا فيه ثوبان ومعطف قديم وكل ما تبقى لها من كرامة.

لم يودعها أحد، لم تخرج أمها لتقول لها انتبهي لنفسك، ولم تقترب أختاها الجميلتان منها، بل أرسلوا معها ورقة قصيرة للمشرف تقول: “هذه تصلح للأعمال الشاقة… خذوها”.

في بيتها، كان الجمال هو العملة الوحيدة التي يفهمونها، أختاها تحفظان بشرتهما من الشمس، وتجلسان أمام المرايا، أما ليلى فكانت تُرسل إلى الحقول والمواقد والحظائر لأن وجهها

لم يكن يرضي عيونهم.

كانوا يقولون إنها ابنة لا تجلب فخرًا، وإنها لن تجد من يتزوجها، وإن أفضل ما تفعله هو أن تخدم بصمت حتى لا تزعج أحدًا بوجودها.

لهذا عندما وصلت إلى مزرعة الحاج آدم المنصوري، لم تكن خائفة من العمل، بل خائفة من النظرات التي تعرفها جيدًا، النظرات التي تسبق الإهانة.

كانت المزرعة أشبه بعالم كامل، بيت كبير أبيض، إسطبلات طويلة، حقول زيتون، مخزن حبوب قديم، وخدم يتحركون بسرعة كأن المكان لا ينام.

استقبلها المشرف بنظرة سريعة وقال: “أنتِ الجديدة؟”.

خفضت رأسها وقالت: “نعم يا سيدي… جئت أنظف المخزن والإسطبل”.

أشار إلى الداخل وقال: “ابدئي من هناك، صاحب المزرعة سيصل اليوم، أريد كل شيء مرتبًا”.

دخلت ليلى المخزن، واستنشقت رائحة التبن والغبار، لكنها شعرت بشيء غريب، الصمت هنا لم يكن مثل صمت بيتها، لم يكن صمت احتقار،

بل مجرد سكون لا يطاردها.

عملت حتى احترقت ذراعاها، حملت الأكياس، كنست الأرض، رتبت أدوات الخيل، ومسحت الخشب القديم كأنها تنظف حياتها من كلام أهلها.

مع الغروب، سمعت خطوات ثابتة عند الباب، فتجمدت ولم تلتفت، فقد اعتادت أن تجعل نفسها صغيرة عندما يدخل المهمون.

قال صوت رجولي هادئ: “أنتِ ليلى؟”.

التفتت ببطء، ممسكة بالمكنسة بكلتا يديها، وقالت: “نعم يا سيدي”.

كان آدم المنصوري واقفًا أمامها، صاحب المزرعة، رجل شاب صارم، ورث ثروة كبيرة لكنه لم يكن يشبه أبناء الأغنياء العابثين، في عينيه حزن قديم وحزم لا يحتاج إلى صراخ.

انتظرت ليلى نظرة الاشمئزاز المعتادة، أو تعليقًا ساخرًا على وجهها، لكنه نظر إليها كأنه لا يرى قبحًا ولا جمالًا، بل يرى إنسانة متعبة تقف على آخر ما تبقى لها.

سألها: “ماذا قالوا لكِ قبل أن يرسلوكِ هنا؟”.

قالت بصوت

منخفض: “قالوا أعمل… وما أشتكيش”.

قطب حاجبيه وقال: “هنا الناس تشتغل، لكن لا أحد يُهان، فاهمة؟”.

رفعت عينيها لأول مرة وقالت بصدق مؤلم: “أنا مش متعودة على الاحترام… بس هحاول”.

دخلت الجملة قلبه كأنها سهم، كيف يمكن لإنسانة أن تقول إنها غير معتادة على الاحترام كأنه طعام نادر لا تحصل عليه إلا البيوت المحظوظة؟

في الليلة الثانية، كان آدم يمر قرب المخزن، فرأى ضوءًا خافتًا من الداخل، فدخل ووجد ليلى جالسة على الأرض، تضع كيس ملابسها تحت رأسها وتحاول أن تنام فوق التبن.

قال بصرامة: “أنتِ بتنامي هنا؟”.

نهضت مرتبكة وقالت: “قالوا لي هذا مكاني… وأنا متعودة”.

قال: “متعودة على النوم على الأرض؟”.

ابتلعت دمعتها وقالت: “متعودة إن ما يكونش لي اختيار”.

صمت آدم لحظة، ثم قال: “من بكرة لكِ غرفة قرب المطبخ، سرير وبطانية وباب يغلق عليكِ،

ولن تنامي هنا مرة أخرى”.

قالت بخوف: “مش عايزة أسبب مشكلة”.

تم نسخ الرابط