كامله
أدهم بيه قرب منها وسألها أنتي مين؟
البنت دموعها نزلت بهدوء، بس كان في ابتسامة خفيفة بتتحدى العالم كله على وشها، وقالت بصوت مبحوح أنا ولا حد يا بيه. اسمي سلمى.
سكتت لحظة وكأنها بتجمع شتات روحها، وبعدين كملت كنت عايشة مع أبويا كان ميكانيكي طيارات بسيط في ورشة قديمة جنب المطار. مكنش عنده شهادات كبيرة، بس كان بيفهم في صوت الموتور أكتر من أي مهندس. كان بيقولي دايمًا الطيارة بتتكلم، بس لازم حد يسمعها.
المهندسين بصوا لبعض في صمت تقيل، وكأن كلامها لمس حاجة جواهم كانوا ناسيينها.
سلمى كملت وهي بتبص للمحرك كأنه كائن حي كنت بقعد جنبه بالساعات، وهو يشرحلي كل حاجة إزاي النفس بتاع الموتور بيتنفس، وإزاي أي غلطة صغيرة ممكن تكبر وتدمر كل حاجة. بس بعد ما مات الورشة اتقفلت،
وأنا بقيت في الشارع.
السكوت رجع تاني، بس المرة دي كان مليان احترام مش سخرية.
أدهم بيه حس بحاجة غريبة بتتحرك جواه، حاجة مش متعود عليها، يمكن ضمير، يمكن إعجاب، يمكن إحساس نادر بالإنسانية وسط عالم كله صفقات وأرقام. قال بصوت هادي بس حاسم وإزاي دخلتي هنا؟
سلمى ابتسمت ابتسامة صغيرة بتسللت. الأمن مش بيركز مع حد شبهى.
كبير المهندسين قرب خطوة، صوته كان متردد اللي عملتيه ده محدش فينا كان هيشوفه. حتى لو قعدنا يومين.
سلمى هزت كتفها ببساطة مش عشان أنا أشطر بس عشان أنا سمعت الصوت
أدهم بيه سكت شوية، وبعدين قال فجأة أنتي هتيجي معايا.
المهندسين اتصدموا، وسلمى نفسها رفعت حاجبها باستغراب فين؟
على دبي.
ضحكت بسخرية خفيفة أنا؟ بالهدوم دي؟
باللي انتي عايزاه.
بس انتي مش هتفضلي في الشارع تاني.
سلمى بصت له نظرة طويلة، وكأنها بتختبر صدقه، وبعدين قالت بهدوء أنا مش عايزة شفقة.
أدهم بيه رد بسرعة ولا أنا بدي شفقة. أنا بدي فرصة لنفسي قبل ما تكون ليكي.
الكلمة وقعت تقيلة، بس صادقة.
بعد ساعة، الطيارة كانت بتتحرك على المدرج، وسلمى قاعدة جنب الشباك، لابسة هدوم نظيفة لأول مرة من شهور، بس إيديها لسه فيها آثار شحم، وكأنها مش عايزة تمسح ماضيها بالكامل.
بصت للسحاب وهي بتبعد عن القاهرة، وقالت بصوت واطي أبويا كان دايمًا بيحلم يركب طيارة زي دي.
أدهم بيه رد بهدوء دلوقتي حلمه راكبها من خلالك.
سلمى غمضت عينيها، دمعة نزلت، بس المرة دي كانت دمعة راحة مش وجع.
الأيام عدت بسرعة بعد الرحلة دي، وأدهم بيه وفى بوعده. دخل سلمى أفضل معاهد الطيران، والمدربين
كانوا في الأول شاكين، بس بعد أول اختبار عملي، الشك اتحول لذهول. كانت بتفهم الأعطال من صوت خفيف، من اهتزاز بسيط، من إحساس مش بيتدرس في كتب.
بعد سنين قليلة، اسم سلمى الجارحي اللي أدهم أصر يضيف اسمه ليها كدعم بقى معروف في عالم الطيران، مش بس في مصر، لكن في العالم كله. شركات كبيرة
وفي يوم، وهي واقفة جوه نفس الهنجر اللي بدأت فيه، بس المرة دي ببدلة مهندسة رسمية، وأمامها فريق كامل بيستنى تعليماتها، دخلت بنت صغيرة هدومها قديمة وعينيها مليانة نفس التحدي القديم.
الكل كان مستعد يطردها
بس سلمى رفعت إيدها وقالت بابتسامة هادية استنوا.
وقربت منها، وانحنت شوية وقالت تعالي وريني بتسمعي إيه.
والدنيا كأنها بدأت من جديد، بس المرة
دي المعجزة بقت عادة.
البنت الصغيرة بصت لسلمى بتردد، بس كان في لمعة غريبة في عينيها، نفس اللمعة اللي كانت في عيون سلمى زمان، خليط من الخوف والتحدي والجوع مش جوع أكل بس، جوع لإثبات النفس. قالت بصوت خافت أنا بسمع خبط خفيف كده كأنه حد بيخبط من جوه.
المهندسين ابتسموا بسخرية خفيفة، لكن سلمى ما ضحكتش، بالعكس ركعت قدامها شوية وقالت بهدوء الخبط ده بييجي إمتى؟
لما الموتور بيهدي بعد ما يعلى بيبقى في حاجة مش مظبوطة.
سلمى بصت للمحرك، وبعدين للبنت، وابتسمت ابتسامة رضا خفيفة، وقالت للفريق نفتح الغطا.
كبير المهندسين قال باستغراب بس يا باشمهندسة، ده موتور لسه متراجع من صيانة كاملة!
سلمى ردت بثقة افتحوا.
لما اتفتح، سلمى مدت إيدها للبنت وقالت تعالي، مش هتخافي.
البنت قربت، وإيديها كانت بترتعش، بس أول ما لمست المعدن، وشها اتغير نفس التحول اللي
كويس بس مش باينة.
سلمى ابتسمت وقالت كمّلي.
البنت غمضت عينيها، كأنها بتركّز بكل حواسها، وبعدين حطت صباعها على نقطة معينة هنا.
لما المهندسين فكّوا المكان، اكتشفوا إن في مسمار صغير مفكوك بدرجة بسيطة جدًا، حاجة ممكن تتعدي على أي حد بس مع الوقت كانت هتعمل مشكلة كبيرة.
السكوت عمّ المكان، بس المرة دي مش صمت عجز صمت إعجاب.
سلمى قامت ووقفت، وبصت للفريق وقالت دي اسمها موهبة مش حاجة تتضحك عليها.
وبعدين رجعت للبنت وقالت اسمك إيه؟
مريم.
تحبي تشتغلي معانا يا مريم؟
البنت فتحت عينيها بذهول أنا؟
أيوه بس بشرط.
إيه؟
تتعلمي وتتعبي وماتخليش حد يكسرك.
مريم هزت راسها بسرعة، وكأنها لقت باب كانت فاكرة إنه مقفول للأبد.
الأيام بدأت تتكرر، بس كل يوم كان بيحمل قصة جديدة. سلمى بقت مش بس مهندسة ناجحة، لكنها بقت مدرسة مش بالكتب، لكن بالحس، بالصبر، وبإنها تشوف اللي الناس مش شايفاه.
أدهم بيه كان بيراقب من بعيد في الأول، لكن مع الوقت بقى جزء من الحكاية. مش الراجل المتكبر اللي الكل بيخاف منه، لكن راجل بدأ يفهم إن النجاح الحقيقي مش في الفلوس لكن في الناس اللي بتكبر بسببك.
وفي يوم مهم جدًا، شركة طيران عالمية طلبت تقييم شامل لأسطولها، وكان في طيارة معينة الكل فشل يفهم مشكلتها. التقارير كلها بتقول
سلمى