كامله

لمحة نيوز

أخدت الفريق، ومعاها مريم اللي كبرت وبقى عندها ثقة ملحوظة، وسافروا للموقع.
الطيارة كانت واقفة زي لغز صعب، وكل العيون عليهم.
سلمى مشت حوالينها ببطء، بإيديها بتلمس جسمها، ومريم وراها بتراقب كل حركة.
بعد شوية، سلمى وقفت فجأة وقالت في حاجة غلط في التوازن.
المهندسين الأجانب استغربوا كل الحسابات مظبوطة.
سلمى ردت الحسابات مش دايمًا بتحكي الحقيقة كلها.
مريم قربت وقالت ممكن تكون المشكلة في توزيع الوقود؟
سلمى بصت لها بابتسامة
فخر كمّلي.
وبالفعل، بعد فحص دقيق، اكتشفوا إن في خلل بسيط جدًا في نظام توزيع الوقود، حاجة كانت بتأثر على التوازن بشكل غير مباشر.
المشكلة اتحلت، والطيارة رجعت للخدمة، واسم سلمى وفريقها بقى على كل لسان.
في نفس الليلة، وهم راجعين، مريم سألت سلمى إنتي عمرك خفتي؟
سلمى سكتت لحظة، وبعدين قالت كل يوم بس الفرق إني ما بسيبش الخوف يقرر مكاني.
مريم ابتسمت وقالت أنا عايزة أبقى زيك.
سلمى بصت لها بحنان لا خليكِ أحسن مني.
والسنين كملت، والهنجر بقى مكان مش بس لإصلاح الطيارات لكن لإصلاح حيوات. كل بنت أو ولد جاي من
الشارع، من اليأس، من اللاشيء، كان بيلاقي فرصة.
وسلمى كل مرة كانت بتفتكر أول يوم ليها وهي واقفة عند الباب، محدش شايفها، إلا واحد بس قرر يسمع.
وفي آخر يوم من السنة، وهي واقفة لوحدها في الهنجر بعد ما الكل مشي، بصت للمحركات اللي ساكتة، وابتسمت وقالت بصوت واطي أنا لسه بسمعكم ولسه بتتكلموا.
وكان واضح إن الحكاية دي لسه مخلصتش.
مرت السنوات، وكبرت مريم وأصبحت هي المساعد الأول لسلمى، بل بدأت تأخذ على عاتقها إدارة الورشة في غياب سلمى. أما أدهم بيه، فقد تفرغ تمامًا لمؤسسة أجنحة الأمل التي أسسها بالتعاون مع سلمى، وهي مؤسسة لا تكتفي بتمويل تعليم الموهوبين من الشوارع، بل تفتح لهم أبواب العمل في كبرى شركات الطيران حول العالم.
في أحد الأيام، دخلت سلمى إلى مكتبها، ووجدت ظرفًا مغلقًا بختم رسمي. كان خطابًا من هيئة الطيران الدولية يبلغها فيه بأنها تم اختيارها لتكون أول امرأة تقود لجنة دولية لتصميم جيل جديد من الطائرات الصديقة للبيئة، مشروع سيغير وجه الطيران في العقود القادمة.
نظرت سلمى إلى النافذة، رأت مريم في الساحة وهي تشرح لدفعة
جديدة من الشباب كيف يفككون محركاً قديماً، كانوا يحيطون بها بنفس الحماس الذي كان يغمرها هي وأباها في تلك الورشة المنسية.
دخل عليها أدهم بيه، وقد غزاه الشيب، لكن عينيه لا تزالان تحتفظان ببريق الإصرار. سألها
مترددة؟
ردت سلمى بابتسامة ناضجة
لا يا أدهم بيه، بس بفكر... مين كان يصدق إن صوت موتور قديم في ورشة مهجورة ممكن يوصلنا للنجوم؟
اقترب أدهم ووضع يده على كتفها كأبٍ فخور
أنا صدقت لما شفت في عينيكِ مش بس موهبة، شفت روح رافضة للانكسار. سلمى، المشروع ده مش بس طيارات، ده رسالة لكل طفل في الشارع، إن الصدق مع النفس هو الوقود الحقيقي للنجاح.
في حفل الإطلاق الكبير للمشروع، وقفت سلمى على المنصة. لم تكن ترتدي أفخم الملابس، بل كانت ترتدي أوفرول المهندسين الخاص بها، وفي يدها مفتاح ربط قديم ورثته عن أبيها، كرمز للأصل الذي لا تنساه.
عندما بدأت الحديث، لم تتكلم عن المعادلات المعقدة، بل قالت
الطائرات لا تطير بالأجنحة فقط، بل تطير بأحلام الذين صنعوها، وبأصوات الذين استمعوا لها حين سكت الجميع. إذا كنتم تريدون أن تبنوا المستقبل،
فلا تبحثوا عن العقول في المكاتب المكيفة فقط، بل ابحثوا عن القلوب التي تنبض بالصدق في الطرقات.
وسط التصفيق الحار، نظرت سلمى إلى الصف الأول حيث كانت تجلس مريم، وإلى جوارها طفل صغير يتلفت حوله بانبهار، وكأن التاريخ يعيد نفسه.
بعد سنوات، عندما قررت سلمى التقاعد، لم تترك وراءها شركات أو أموالاً فقط، بل تركت إرثاً من الأمل. في تلك الليلة الأخيرة لها داخل الهنجر، طفت الأنوار، وبقيت هي وحدها تتأمل الهيكل المعدني للطيارة الأولى التي عملت عليها.
مسحت بإصبعها على المعدن، وسمعت في خيالها صوت أبيها هامساً سمعتِها يا سلمى.. سمعتِ صوتها للاخر.
أغمضت عينيها وهي تبتسم، مدركة أن سلمى التي بدأت ولا حد، أصبحت الآن كل شيء لكل من فقد الأمل.
انطفأت أنوار الهنجر، لكن قصة سلمى الجارحي لم تنتهِ؛ فقد استمرت في نبضات مريم، وفي عيون آلاف الشباب الذين تعلموا أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه، بل بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
وهكذا، أصبحت الحكاية أسطورة يتناقلها المهندسون في المطارات، قصة لا تبدأ بالمحركات، بل تنتهي بالروح التي استطاعت أن
تحلق، رغم أنها ولدت على الأرض.
تمت

تم نسخ الرابط