عند بوابه 23
هدومي فين؟ حاجتي فين؟.
قلت له قبل ما أقفل آه نسيت أقولك.. الكلب أكلته ووديته ملجأ محترم عشان ميعيشش مع ناس جاحدة زيكوا. والفلوس اللي كنت بتقول إن أمي ضيعتها؟ هي اللي اشترت لي السكينة اللي أنا فيها دلوقتي. مع السلامة يا.. يا غريب.
قفلت السكة، وعملت لنفسي أحلى كوباية قهوة، وشربتها على مهلي وأنا بتفرج عليهم من الكاميرات وهما واقفين قدام الباب في الشارع، بشنط سفرهم اللي راجعين بيها من باريس، مش لاقيين حتة يبيتوا فيها في عز ليل القاهرة.
منصور كان هيتجنن بره، قعد يخبط على الباب الحديد بهستيريا ويشتم بأفظع الشتائم، وشاهيناز كانت بتصرخ في الشارع وتلم علينا الجيران وهي بتقول يا فضيحتنا يا منصور! الناس بتتفرج علينا، اتصرف!
فتحت المايك بتاع الإنتركوم وقلت بصوت واثق سمعه كل اللي واقفين يا ريت يا جماعة اللي واقف يتفرج يصور اللحظة دي.. عشان منصور بيه اللي عامل فيها رجل أعمال وتقي، كان واكل حق يتيمة وعايش في بيتها بقاله 15 سنة وهو بيذلها.
الشارع كله سكت، ومنصور إيده نزلت من على الباب ووشه بقى لونه أزرق.
نور بنته قربت من الكاميرا وهي بتعيط ومنهارة
رديت عليها بمنتهى الثبات كنتي بتفكري في كده يا نور وأنا نايمة في أوضة الكراكيب والشتوي بتاعي كله صغر عليا ومكنتوش بترضوا تجيبوا لي غير الهدوم اللي بتقشر منك؟ كنتي بتفكري في كده لما كنتوا بتتعشوا مشويات وأنا باكل عيش بجبنة؟
طلبت البوليس، وفي دقايق كانت الدورية واقفة. المحامي بتاعي كان مجهز كل الأوراق؛ إعلام الوراثة، وعقد الملكية المسجل، وأمر الطرد. الضابط بص لمنصور بشفقة مخلوطة باحتقار وقال له يا حاج، الورق سليم 100. الآنسة صاحبة الملك ومش عاوزاكم، اتفضلوا اتمشوا من غير شوشرة عشان مطلعش قرار حبس بتهمة التعدي على أملاك الغير.
منصور بص للبيت بكسرة، البيت اللي بناه بفلوس أمي وعاش فيه ملك، ودلوقتي بيخرج منه بشنطة هدومه اللي مرمية على الرصيف.
لموا شنطهم في صمت، وركبوا تاكسي قديم لأن منصور مكنش معاه كاش كتير بعد مصاريف السفر، وحساباته في البنك كانت متجمدة بسبب قضية تبديد أموال قاصر اللي المحامي رفعها الصبح.
دخلت الصالون، قعدت على الكنبة الكبيرة، وفتحت المصحف
تاني يوم، بدأت إجراءات بيع الفيلا. مش عوزاها، مش عاوزة أي ريحة ليهم تفضل في حياتي. هبدأ حياة جديدة، بفلوسي، وباسمي، ومن غير ما حد يقولي إنتي نكرة.
أنا مايا، والنهاردة بس.. بقيت صاحبة عمري.
بعد ما بعت الفيلا، اشتريت شقة هادية في حي راقي، بعيد عن كل ذكريات الوجع. الفلوس اللي في البنك كانت كفيلة تعيشني ملكة، بس أنا قررت أستثمرها صح. فتحت مطعم صغير وسميته نادية، على اسم أمي، وكان هدفي منه إن مفيش حد يدخله وهو جعان ويخرج مكسور الخاطر.
في يوم، وأنا قاعدة في مكتبي في المطعم، لقيت الجرسون داخل بيقول لي يا فندم، فيه راجل بره شكله تعبان جداً وطالب يقابلك، بيقول إنه يعرفك من زمان.
طلعت أشوف مين، ووقفت مكاني من الصدمة.
كان منصور.
هدومه اللي كانت دايماً مكوية وماركات، بقت دبلانة ومبهدلة. وشه اللي كان كله جبروت، بقى مطفي ومليان تجاعيد.
أول ما شافني، حاول يداري عينه، وبعدين قال بصوت مكسور مايا.. أنا مش جاي أطلب فلوس،
بصيت له وكنت فاكرة إن قلبي هيحن، أو إني هتشفي فيه.. بس الحقيقة إني محستش بحاجة خالص. كان بالنسبة لي مجرد غريب بيطلب مساعدة.
طلعت رزمة فلوس من شنطتي، وحطيتها في إيده، وقلت له بلهجة مصرية حازمة الكلب اللي كنت بتقولي أكله، كان أوفى منك يا منصور بيه. الفلوس دي لله، كأنك سائل خبط على بابي. متجيش هنا تاني، لأن نادية اللي في الصورة اللي وراك دي، حقها رجع خلاص، وأنا مش عاوزه أشوف وشك وأنا بفتكرها.
بص للصورة اللي متعلقة في صدر المطعم، ودموعه نزلت، ومشي وهو بيجر رجليه وراه.
رجعت مكتبي، فتحت الشباك وشميت هوا نضيف. لأول مرة أحس إني حرة بجد. مش بس حرة من سيطرتهم، لكن حرة من غلي وحقدي عليهم. ربنا جاب لي حقي لحد عندي، وشفت بعيني إن
كما تدين تدان.
قعدت على مكتبي، وفتحت نوتة صغيرة كنت بكتب فيها أحلامي، وشطبت على جملة أنا نكرة وكتبت مكانها بخط عريض
أنا مايا.. بنت نادية.. والحمد لله الذي بنعمته