لأ.. أرجوك بلاش تحرق اللحاف ده!»..روايــات_مشـيره_مـحمد
الأيام الأولى كانت بهدلة؛ نمت في لوكاندات تعبانة، واشتغلت في كافيهات ومحلات ملابس عشان أعرف أصرف على نفسي وأدفع مصاريف المعهد الفني التجاري اللي كان حلمي. كنت بشتغل بالنهار وبدرس بالليل. مرت سنة ورا سنة، والتعب كان بيهد حيلى، بس كل ما كنت بفتكر منظر اللحاف وهو بيتحرق ونظرة الكسرة في عين أمي، كان بيجيلي باور وعزيمة تهد جبال.
تفوقت في المعهد، ومن بعده عملت معادلة ودخلت كلية تجارة، واتخرجت بتقدير. اشتغلت في شركة عقارات كبيرة، وبسبب شطارتي في الرسومات والديكور (الهواية اللي أبويا كان عاوز يحرقها)، اتنقلت لقسم إدارة الأصول والتطوير العقاري، وبقيت بمسك مشاريع بملايين. قعدت 15 سنة ببني نفسي طوبة طوبة لحد ما بقيت "البشمهندسة بسنت".. اسم له وزنه.
الفصل الثالث: الصدمة والمفاجأة (بعد 15 سنة)
في يوم وأنا قاعدة في مكتبي بالشركة، دخل عليا
فتحت الملف.. وقلبي سقط في رجلي!
العنوان: 4892 شارع الروضة.. بيت الحاج مصطفى!
عرفت من الأوراق والتحريات إن أخويا "طارق" (المدلل اللي كان بياخد كل حاجة على جاهز) كبر وطلع فاشل ومقضيها قمار ومشاريع خسرانة. طارق ضحك على أبويا وخلاه يضمنه في قروض من البنك بضمان البيت، وفي الآخر طارق هرب وساب أبويا يغرق في الديون. أبويا اللي كان فاكر نفسه ملك، بقى مديون وطهقان والبنك حجز على بيته.
الفصل الرابع: يوم الحساب.. العودة
أخدت قوة تنفيذ الأحكام من المركز ومعايا المحضر، وركبت عربيتي الجيب ورحت على هناك. نفس الشارع، ونفس البيت اللي هربت منه وأنا حافية ومعيش مليم.
وقفت
الزمن كان هاده، شعره كله أبيض، وضهره محني، ومبقاش فيه لمحة الجبروت القديمة. بصلي ومعرفنيش في الأول، لبسي وعربيتي ومظهري كانوا متغيرين تماماً.
قلتله ببرود: «أهلاً يا حاج مصطفى.. مش فاكرني؟ أنا بسنت.. البنت العاقة اللي حرقت شقاها وكتبها ولحاف ستها».
الراجل اتصدم، وعينيه برقت من الذهول والخوف. في اللحظة دي طلعت أمي "الحاجة بدرية" من وراه، أول ما شافتني جريت عليا وحضنتني وهي بتبكي، وأنا أخدتها في حضني وبقيت أطمنها: «خلاص يا أمي.. مفيش خوف تاني».
أبويا بدأ يزعق بصوت مرتعش ويحاول يستعرض قوته القديمة: «أنتِ جاية هنا ليه؟ عاوزة إيه؟ اطلعي برة بيتي!»
طلعت من الشنطة "إنذار الطرد الرسمي المعتمد من المحكمة" وحطيته في إيده بقلب جامد، زي ما حط اللحاف في النار زمان، وقلتله:
«البيت ده
النهاية: العدالة الإلهية
أبويا بص للورقة وبصلي، ودموعه نزلت.. لأول مرة أشوف دموعه. حاول يستعطفني ويقولي: «أنا أبوكي.. هترميني في الشارع؟»
رديت عليه بكل ثقة وقسوة عادلة: «أنت اللي علمتني إن الماضي لازم يتحرق عشان نعرف نعيش اللي جاي.. فاكر جملتك؟ دلوقتي جه دورك تدوق من نفس الكاس.. برة!»
خرج أبويا مصطفى من البيت مكسور، ومعهوش غير شنطة هدوم قديمة، والكل في المنطقة بيتفرج عليه وعلى نهايته الظالمة. أما أمي "الحاجة بدرية"، فأنا أخدتها معايا لبيتي في القاهرة عشان تعيش معززة مكرمة اللي فاضل من عمرها.
الخلاصة: النار اللي أبويا ولعها زمان عشان يحرق بيها مستقبلي، دارت الأيام وبقت هي الرماد اللي اتمسح بيه تاريخه
وظلمه. والدنيا دوارة.تمت. روايــات_مشـيره_مـحمد