رئيسة الجهاز... مشيره محمد
"ظابط متعجرف كلبش رئيسة المخابرات.. وبعد دقائق، القاهرة كلها اتقلبت واتحولت لثكنة عسكرية!"
دكتورة نادية الجبالي، رئيسة جهاز المخابرات العامة، مش متعودة تسوق بنفسها. بس بعد اجتماع استراتيجي طويل وطاحن في مقر الجهاز، قررت إنها تروح لوحدها في هدوء الليل.. من غير حراسة، ولا سارينا، ولا موكب عربيات. مجرد عربية سودا عادية وطريق المحور الهادي.
مكملتش ١٠ كيلو، وفجأة أنوار البوكس الأحمر في أزرق ظهرت وراها زي البرق.
دورية تابعة لمركز شرطة بالمنطقة.
نادية ركنت على جنب بهدوء، نزلت الإزاز، وحطت إيديها الاتنين على الدريكسيون.. الإجراء الطبيعي اللي حافظاه من أيام كليتها.
المقدم طارق بركات، ظابط قاسي الملامح ورقابته عريضة، قرب من باب عربيتها وإيده ساندة على طبنجته.
زعق بحدة: "رخصك ورخص العربية!"
نادية هزت راسها بهدوء: "تمام يا فندم، بس قبل ما أمد إيدي..."
قاطعها طارق بغشامة: "مش عايز ولا كلمة! ومتتحركيش إلا بأمري."
لهجته مكنتش لهجة تطبيق قانون.. كان فيها كمية غل واستهزاء مش طبيعية.
نادية طلعت كارنيه المخابرات العامة وشارتها الرسمية براحة وقالت: "أنا الدكتورة نادية الجبالي، رئيسة الجهاز، وراجعة من اجتماع رسمي."
طارق بحلق في الكارنيه ثانيتين.. وبعدين ابتسم بابتسامة صفرا مستفزة.
وقال: "مضروب!"
نادية برقت: "أفندم؟"
قرب منها أكتر وقال: "يا مدام، أنا بقالي ٢٦ سنة في الخدمة، وأعرف الكارنيهات المزورة بالنظر."
"الظاهر عندك لبس، الكارنيه ده صادر مباشرة من..."
"قولتلك مــزور!"
صوته رج الشارع كله.
في ثواني، تلات أربع عربيات شرطة وبوكسات وصلوا وحاصروا عربيتها تماماً، ونزل منهم أمناء وظباط واقفين ومتحفزين وإيديهم على سلاحهم.
نادية حافظت على ثباتها الانفعالي وقالتله: "كلم غرف العمليات المركزية عندك، وهم هيأكدوا لك هويتي فوراً."
طارق ضحك بسخرية: "تلقي دي نفس الحجة اللي بيقولها أي نصاب بينتحل صفة جهة سيادية."
وقبل ما تنطق بكلمة، فتح باب العربية وعافها: "انزلي! إنتي مقبوض عليكي بتهمة انتحال صفة و_تزوير وتكدير الأمن العام."
نادية بصت للظباط والأمناء اللي واقفين يتفرجوا، كانوا مترددين، بس خوفهم من طارق وعصبيته خلاهم واقفين زي التماثيل.
بصت في عينه وقالت بصوت قوي يهز: "أنا على رأس أهم جهاز أمني في البلد.. اللي بتعمله ده جناية عسكرية وقانونية هتدفع تمنها غالي."
قرب من وشها لدرجة إنها شمت ريحة القهوة السايرة من بوقه وقال: "مش الليلة دي يا هانم."
كلبشوها، وفتشوها تفتيش مهين، وركبوها البوكس.. كل اعتراضاتها اتمسحت، كارنيهاتها حطوها في حرز، وموبايلاتها اتصادرت. جوة حجز القسم، طارق وداها حجز انفرادي وأمر بإنها تتسجل "متهمة خطيرة وتشكيل عصابي".
كل الإجراءات القانونية اضربت في الخلاط.
كل تحذير قالتهوله كان بيقابلوا تريقة وضحك.
اتنين من الأمناء بصوا لبعض بقلق، بس سلطة طارق وجبروته خلتهم يكتموا ويمشوا جنب الحيط.
أول ما الباب الحديدي الضخم اترزع والقفل اتعشق، طارق مشي وهو بيصفر ورايق، وفاكر نفسه عمل قضية القرن وقفش نصابة.
لكن على بُعد كميلومترات.. في مقر المخابرات العامة.. حصل اللي مكانش في الحسبان!
تأخر نادية عن ميعاد الإشارات الدورية وميردش على الخط الساخن ضرب جرس إنذار أحمر في غرفة العمليات الرئيسية.
خلال ٨ دقائق بالظبط، شاشات الأجهزة الأمنية كلها في مصر نورت باللون الأحمر، وظهرت رسالة مشفرة:
"عاجل: اختفاء رئيسة الجهاز.. اشتباه في عملية احتجاز عدائية.. تفعيل بروتوكول الإغلاق الأمني الشامل للعاصمة فوراً."
والسؤال اللي كان بيزلزل القيادات في القاهرة كلها:
هي فين؟
ومين الغبي اللي في المحاور ده اللي اتجرأ وكلبش رئيسة المخابرات العامة؟
روايــات_مشـيره_مـحمد
الجزء الثاني والأخير:
في تلك اللحظة التي انغلق فيها الباب الحديدي على الدكتورة نادية الجبالي، كانت شاشات غرفة العمليات المركزية في مقر المخابرات العامة بالاشتراك مع الأمن الوطني تُضاء باللون الأحمر الوامض. لم يكن الأمر مجرد غياب مسؤول، بل كان تفعيلًا لبروتوكول "النجم الداكن"، وهو طوارئ قصوى يُفترض ألا تُفعل إلا في حالات الانقلابات أو العمليات الإرهابية الضخمة التي تستهدف رأس الدولة.
في أقل من عشر دقائق، صدرت الأوامر السيادية: إغلاق مداخل ومخارج القاهرة الكبرى تمامًا. كوبري أكتوبر، طريق المحور، الطريق الدائري، وطريق السويس.. تحولت كلها في غمضة عين إلى حواجز إسمنتية تدعمها مدرعات "الفهد" التابعة للقوات الخاصة. ساد الشلل التام، وتوقفت حركة المرور، بينما كانت طائرات الهليكوبتر العسكرية تجوب سماء العاصمة باحثة عن الإشارة اللاسلكية المفقودة لهاتف رئيسة الجهاز.
داخل ديوان قسم الشرطة، كان المقدم طارق بركات يجلس خلف مكتبه الضخم، يرتشف كوبًا من الشاي الساخن، وعلامات النصر تملأ وجهه. وضع أمامه على المكتب شارة الدكتورة نادية والكارنيه الخاص بها، وبدأ يتصفحهما بنوع من الغرور الأعمى.
دخل عليه معاون المباحث، الرائد أحمد، والوجوم يكسو وجهه، وعيناه تترقبان الشاشات المعلقة في مكتب رئيس المباشرة.
أحمد بنبرة قلقة: "يا فندم.. في حاجة مش طبيعية بتحصل برة. المحور واقف تمامًا، وفي قوات خاصة وعربيات جيب مموهة قفلت الميدان الرئيسي اللي برة القسم."
طارق (دون أن يرفع عينيه عن الكارنيه): "تلاقيهم بيأمنوا تحركات وزير أو وفد دبلوماسي يا أحمد. ركز في شغلك، إحنا الليلة دي عملنا صيد ثمين.. نصابة من العيار الثقيل، كانت سايقة عربية في ممر حيوي ومعاها كارنيهات لو شافها لواء هيضربلها تعظيم سلام."