رئيسة الجهاز... مشيره محمد

لمحة نيوز

​أحمد (يقترب من المكتب وينظر للكارنيه): "بس يا فندم.. الختم ده.. الختم ده فسفوري حقيقي، والشريحة الذكية دي مش شغل مطابع تحت السلم. حضرتك متأكد إنها مش..."

​قاطعه طارق بحدة وهو يضرب المكتب بقبضته: "أنا قولت مــزورة! إنت هتعلمني شغلي يا أحمد؟ الست دي وثائقها متقنة جدًا، وده معناه إن وراها شبكة دولية. أنا هسهر عليها الليلة دي لحد ما تقر وتعترف بكل شركائها."

​في هذه الأثناء، كان التليفون الأرضي الخاص بمكتب مأمور القسم، العقيد محمود، يرن بهستيرية. عندما رفع المأمور السماعة، جاءه صوت لواء من قطاع التفتيش والرقابة بوزارة الداخلية، صوته كان يرتجف لدرجة أن الكلمات كانت تخرج متقطعة.

​اللواء عبر الهاتف: "محمود! عندك قوة برة القسم؟ في ظابط عندك اسمه طارق بركات عمل استيقاف لعربية سودا على المحور من ساعة؟"

​المأمور محمود (باستغراب): "أيوا يا فندم، المقدم طارق لسه داخل بقضية انتحال صفة وتزوير.. الست اللي معاه كانت معترضة وبتقول كلام غريب..."

​صرخ اللواء في الهاتف لدرجة أن المأمور أبعد السماعة عن أذنه: "يخرب بيتكم! الست دي فين؟! انطق! فين الست دي؟!"

​المأمور (وقد بدأ الرعب يتسلل لقلبه): "في الحجز الانفرادي يا فندم.. في إيه؟"

​اللواء: "أسمعني كويس يا محمود.. لو شعرة واحدة من الست دي اتمست، إنت وطارق وكل اللي في القسم هتحاكموا بتهمة الخيانة العظمى. الست دي تبقى الدكتورة نادية الجبالي.. رئيسة المخابرات العامة! وزير الداخلية ورئيس الوزراء في طريقهم ليكم.. والمدرعات محاصرة القسم دلوقتي!"

​سقطت سماعة الهاتف من يد المأمور محمود. تيبست أطرافه، وشعر بأن جدران الغرفة تضيق عليه. خرج من مكتبه يركض كالمجنون في الممر المؤدي إلى مكتب طارق.

​في الحجز الانفرادي، كانت الدكتورة نادية تجلس على مقعد خشبي متهالك. لم تكن تبكي، ولم تكن تصرخ. كانت ملامحها هادئة كهدوء ما قبل العاصفة. كانت تنظر إلى ساعة الحائط القديمة المعلقة في الممر، تحسب الثواني والدقائق بدقة متناهية، مدركة تمامًا لآليات عمل جهازها.

​انفتح الباب الحديدي الخارجي فجأة، ودخل المأمور محمود يتبعه طارق وأحمد. كان وجه المأمور شاحبًا كالموتى، وعرقه يتصبب بغزارة رغم برودة الجو.

​المأمور وهو يفتح باب الزنزانة بيد ترتعش: "يا فندم.. يا فندم أنا بعتذر بالنيابة عن كل الدورية.. حصل سوء تفاهم.. لبس غير مقصود بالمرة!"

​نادية لم تتحرك من مكانها. نظرت إليهم بنظرة باردة اخترقت قلوبهم رعبًا. وقالت بصوت منخفض ومخيف: "فين الكارنيه والموبايلات؟"

​طارق، الذي لم يستوعب بعد حجم الكارثة، حاول التدخل قائلًا: "يا فندم المأمور، دي إجراءات فحص روتينية، والست دي لازم..."

​التفت إليه المأمور محمود وعيناه جاحظتان، وصرخ فيه بأعلى صوته: "اخرس! اخرس خالص يا طارق! إنت وديتنا في داهية! دي الدكتورة نادية الجبالي.. رئيسة المخابرات!"

​وقع الخبر على طارق كالصاعقة. شعر بركبتيه تضعفان، وكأن الأرض تميد من تحته. تذكر الكلمات التي قالها لها، تذكر سخريته، وتذكر كيف كلبش يديها بعنف. تذكر قوله لها: "مش الليلة دي يا هانم".

​في هذه اللحظة، سُمع دوي هائل في الخارج. لم يكن صوت سيارات شرطة عادية، بل كان هدير محركات طائرات هليكوبتر هبطت في الساحة الترابية المواجهة للقسم، وصوت جنزير مدرعات يطوق المبنى بالكامل.

​اقتحمت قوة من رجال العمليات الخاصة بلباسهم الأسود الكامل وأقنعتهم، يقودهم عميد من المخابرات الحربية، الممر. انتشروا في ثوانٍ، وجردوا أمناء الشرطة المتواجدين من أسلحتهم، ووقفوا في وضع الاستعداد.

​دخل العميد إلى الزنزانة، ووقف بصلابة وضرب تعظيم سلام عسكري مهيب للدكتورة نادية: "تمام يا فندم! القوات أمنّت الموقع بالكامل. هل تعرضتِ لأي أذى جسدي؟"

​وقفت الدكتورة نادية، وعدلت من هندام جاكيت بدلتها الراقية، وقالت بنبرة حاسمة: "أنا بخير يا سيادة العميد. لكن أمن البلد مش بخير لما يكون فيه ظباط بيستغلوا سلطتهم لإهانة المواطنين وتجاهل القانون."

​خرجت نادية من الزنزانة والمأمور وطارق يتراجعون للخلف بخوف وذل. عندما وصلت إلى المكتب الرئيسي، وجدت وزير الداخلية بنفسه قد وصل، وعلامات الغضب والأسف الشديد على وجهه.

​وزير الداخلية: "دكتورة نادية.. أنا بعتذر لسيادتك شخصيًا وللجهاز كله. ده تصرف فردي غير مسؤول من ظابط مريض بالسلطة، ومش هيعدي بالساهل."

​نادية (تلتفت لتنظر لطارق الذي كان واقفًا يرتجف وعيناه في الأرض): "سيادة الوزير.. الموضوع مش مجرد اعتذار ليا. الظابط ده بقاله ٢٦ سنة في الخدمة زي ما قاللي. تخيل في الـ ٢٦ سنة دول كام مواطن غلبان وقع تحت إيده، وافتُري عليه، واتلفقت له قضايا لمجرد إنه حب يفرض سيطرته؟ تخيل كام واحد اتهان ومقدرش يثبت براءته لأن صوته مكنش مسموع؟"

​صمت الجميع في الغرفة، ولم يُسمع إلا أنفاس طارق المتلاحقة من الرعب.

​تابعت نادية: "الظابط ده، وكل القوة اللي كانت معاه وشاركت في المخالفات دي وسكتت على التجاوز، يتحولوا فورًا للنيابة العسكرية والقطاع القضائي بالوزارة. تفتيش كامل على كل القضايا اللي مسكها طارق بركات في آخر خمس سنين. العربية بتاعتي وحاجتي ترجع، والكلبشات اللي اتحطت في إيدي.. تتحط في إيد الظابط ده دلوقتي."

​تقدم اثنان من رجال القوات الخاصة، وبكل غلظة، سحبوا يدي المقدم طارق للخلف، وضغطوا على الكلبشات الحديدية حتى انغلقت بصوت معدني حاد.. نفس الصوت الذي كان طارق يطرب لسماعه عندما يذل الآخرين، لكنه الآن كان بمثابة حكم الإعدام على مستقبله وحريته.

​التفتت الدكتورة نادية نحو الباب، حيث كان رجالها يفتحون لها طريقًا وسط حشود القوات التي ملأت المكان. وقبل أن تخرج، التفتت للمأمور المرتعب وقالت: "العاصمة تتفتح فورًا.. والناس اللي اتعطلت في الشوارع بسبب غباء ظابط، يرجعوا لبيوتهم سالمين."

​ركبت الدكتورة نادية سيارتها السوداء، وتحرك الموكب الضخم خلفها وحولها، مخترقًا شوارع القاهرة التي بدأت تتنفس الصعداء بعد ليلة حبست فيها الأنفاس، ليلة تعلم فيها رجل سلطة متعجرف أن القانون لا ينام. 

تمت.. مشيره محمد 

تم نسخ الرابط