طرد الدكتور

لمحة نيوز

كل حاجة!
رد عماد بإصرار
تعال معايا يا دكتور.. وشوف بنفسك.
السير نحو الماضي
مشى شريف بخطوات ثقيلة خلف عماد. اقتربا من السور المتهالك، ونظر شريف من بين الشقوق. كانت الأجواء داخل فناء البيت البسيط هادئة، مليئة برائحة الياسمين البلدي. وفي وسط الفناء، كانت سعاد تجلس على مقعد خشبي منخفض، وتمسك بوعاء فيه ماء دافئ ومطهر، وتقوم بتنظيف جرح غائر في قدم رجل يجلس على مقعد متحرك.
كان الرجل نحيلاً، شعره غطاه الشيب بالكامل، ووجهه يحمل ندوبًا عميقة غيّرت بعض ملامحه، لكن عينيه.. تلك العينين الحادتين والذكيتين لم يكن يخطئهما شريف أبدًا. إنه هو. الدكتور جلال السويفي، حي يرزق، لكنه مشلول ومحطم.
في تلك اللحظة، رن هاتف شريف في جيبه دون قصد. انتبهت سعاد للصوت، والتفتت بسرعة نحو السور. رأت وجه الدكتور شريف وشعرت بأن الأرض تدور بها. وقفت بسرعة، وحاولت إخفاء الدكتور جلال بظهرها، وصاحت بنبرة خوف وهلع
دكتور شريف؟! أنت.. أنت جيت هنا إزاي؟
خرج شريف من مخبئه، ودفع البوابة الخشبية الصغيرة ودخل بخطوات متسارعة، وعيناه لا تفارق جلال. أما جلال، فقد نظر إلى شريف بهدوء غريب، وابتسم بمرارة وقال بصوت مبحوح
أهلاً يا شريف.. كنت عارف إن اليوم ده هييجي، بس ماكنتش فاكر إنه هييجي بسبب ذكاء ممرضة بسيطة.
حوار المكاشفة والدموع
سقطت سعاد على ركبتيها وهي تبكي، وقالت بنبرة استعطاف
يا دكتور شريف، أرجوك.. اخصم مني، اطردني، اعمل فيا اللي أنت عايزه، بس بالله عليك ما تأذيش الدكتور جلال. ده راجل طيب، والكل اتخلى عنه!
نظر إليها شريف بعيون حائرة، ثم وجه نظره إلى أستاذه القديم وشريكه وقال بنبرة ممزوجة بالصدمة والغضب
ماتأذيش الدكتور جلال؟ ده أنا اللي عايز أفهم! جلال.. أنت عايش؟ إزاي؟ والجنازة؟ والتعويضات؟ والمستشفى اللي باسمك؟ أنت هربت وسبتني أشيل شيلتك؟
تنهد جلال، وأشار لسعاد بيده وقال
قومي يا سعاد يا بنتي.. هاتي كرسي للدكتور شريف، الحكاية طويلة، وهو من حقه يفهم كل حاجة.
جلست سعاد وهي تجفف دموعها، بينما جلس شريف وهو يشعر بأنه في حلم مزعج. بدأ جلال يتحدث وعيناه شاردتان في الأفق
من ثلاث سنين، لما سافرت فرنسا، ماكانش سفر عادي. كنت رايح أعمل فحوصات بعد ما عرفت إني مصاب بمرض مناعي نادر بيسبب ضمور في الأعصاب. كنت عارف إني هتشل في غضون شهور. وفي نفس الليلة اللي كنت راجع فيها، عربيتي اتقلبت بيا في طريق جبلي. السواق اللي كان معايا مات فورا، والعربية ولعت.
قاطعه شريف
لكن الشرطة الفرنسية أكدت إن الجثة اللي جوه كانت جثتك!
ابتسم جلال بسخرية
لأن زوجتي السابقة، وأخوها، كانوا معايا في السفر. هما اللي خططوا لكل حاجة. لما لقوني لسه عايش بس غايب عن الوعي ومصاب بجروح خطيرة، استغلوا الفرصة. حطوا ساعتي وخاتمي وأوراقي في جثة السواق المتفحمة، وأعلنوا وفاتي عشان ياخدوا أموالي، وبوليسة التأمين الضخمة، ونصيبي في المستشفى اللي أنت بتديره دلوقتي.
شحب وجه شريف وقال
يعني هما اللي زوروا وفاتك؟ وأنت روحت فين؟
تابع جلال والألم يعتصر صوته
هربوني لمصحة عقلية نائية في ضواحي باريس باسم مستعار، وسابوني هناك أموت ببطء. فضلوا يدوني مهددات عشان عقلي يغيب. لكن بعد سنتين، ربنا سخر لي ممرض عربي شهم، عرف حقيقتي وهربني ورجعني مصر. جيت هنا، في بيت داية قديمة كانت شغالة في بلدنا زمان.. البيت ده ملكها. وبقيت عايش مستخبي، ماليش حد، وجسمي بينهار يوم بعد يوم بسبب المرض والإهمال.
كيف دخلت سعاد القصة؟
التفت شريف إلى سعاد، التي كانت تجلس مطأطئة رأسها، وسألها بذهول
وإنتِ.. إنتِ عرفتيه إزاي؟ وأيه علاقتك بيه؟
رفعت سعاد رأسها، وقالت بصوت متهدج
أنا يا دكتور شريف، من تلات شهور فاتوا، كنت شغالة في المستشفى الحكومي في المركز عندنا. الدكتور جلال تعب جدًا، والست الكبيرة اللي عايش معاها جابته المستشفى في السر. مكنش معاه بطاقة ولا أي إثبات شخصية. الكل افتكره راجل عجوز مخرف ملوش أهل. لكن أنا لما شفت حالته، وصعوبة مرضه، قعدت جنبه. وفي ليلة من الليالي، لما كان بيموت من الألم، اتكلم وحكالي عن مستشفى النخبة وعن اسمه الحقيقي.
تابعت سعاد والدموع تنهمر من عينيها
في الأول مصدقتوش.. قولت ده راجل عجوز بيخرف. بس لما دورت على الإنترنت وشوفت صورته زمان قبل الحادثة، اتصدمت. عرفت إنه هو. ولما عرفت إن المستشفى بتاعكم طالب ممرضات، قدمت فورًا وجيت هنا مش عشان الفلوس.. جيت عشان أدخل مكان فيه إمكانيات وأقدر أخد منه الأدوية والمحاليل الغالية اللي الدكتور جلال محتاجها وميقدرش يشتريها. أنا كنت بسرّب الأدوية المترخية من المستشفى عشان أنقذ حياته!
وقف شريف مذهولاً
كنتي بتسرقي المستشفى؟
صاح جلال مقاطعًا بحسم
مكانتش بتسرق يا شريف! سعاد كانت بتاخد حقي! المستشفى دي نصها ملكي قانونًا، والأدوية دي من فلوسي اللي مراتي وأخوها بيقبضوها كل أول شهر من أرباح الأسهم بتاعتهم! سعاد كانت بتخاطر بمهنتها وشرفها عشان تحميني من الموت.
لحظة التحول الكبرى
ساد الصمت في المكان. لم يكن يُسمع سوى صوت حفيف أوراق الشجر في الفناء. نظر شريف إلى يديه، وتذكر كيف كان يتعامل مع سعاد بجفاء، وكيف كان يراها أقل من مستوى المستشفى بسبب أصلها الريفي وبساطتها. والآن، يتضح أن هذه الممرضة البسيطة تمتلك من الشجاعة والإنسانية ما لم يمتلكه حملة الماجستير والدكتوراه في مكتبه.
التفت شريف إلى جلال، واقترب منه ثم جثا على ركبتيه أمامه، وأمسك بيده
تم نسخ الرابط