شاى العصارى المسموم مشيره محمد

لمحة نيوز

​كانت شمس الصيف تغيب ببطء خلف بيوت حارة "برجوان" العتيقة في قلب القاهرة، تاركةً ظلالاً طويلة تتسلل عبر نوافذ الشقة الواسعة في الدور الثالث. في الصالة الكبيرة ذات الأثاث الخشبي المذهب (الصالون المدهب)، كانت "مديحة" تجلس وعيناها تلمعان ببريق غير مريح. مديحة، الزوجة الكبرى للابن الأكبر في عائلة "الشناوي"، كانت ترى نفسها دائمًا الآمرة الناهية، والمهندسة العبقرية لكل شبر في هذا البيت المكون من أربعة طوابق.

​لكن الأمور تغيرت منذ ستة أشهر فقط، عندما تزوج الابن الأصغر "عمر" من "ندى".

​ندى لم تكن مجرد زوجة أخ صغرى؛ كانت فتاة هادئة، متعلمة، ومحبوبة من الجميع، والأهم من ذلك أن "الحاجة فاطمة" – أم زوجيهما – أصبحت لا تنادي إلا باسمها، ولا تأتمن أحدًا على مفتاح "دولا الفضة" والذهب سواها. هذا الأمر كان بمثابة إعلان حرب صامت بالنسبة لمديحة.

​أخذت مديحة ترشف من كوب الشاي بالنعناع، وتنظر إلى ندى التي كانت ترتب المائدة بابتسامة صافية. وقالت مديحة بنبرة حملت الكثير من الود المصطنع:

  • ​"تسلم إيدك يا ندى يا حبيبتي، الشاي مظبوط.. بس قوليلي، مش ملاحظة إن حماتك بقالها يومين مابتطلبش منك تشيلي لها مصروف البيت زي زمان؟"

​التفتت ندى إليها بذكاء وهدوء، وأجابت وهي تجلس على المقعد المقابل:

  • ​"أبدًا يا أبله مديحة، ماما فاطمة تعبانة شوية بس من الرطوبة، وبعدين البيت بيتها والفلوس فلوسها، تشيلهم وقت ما تحب وتديهم للي هي عايزاه."

​حكت مديحة طرف أنفها، وهي علامة تظهر عليها كلما بدأت عجلاتها الفكرية في الدوران لتدبير مكيدة، وقالت:

  • ​"يا نبتي أنا خايفة عليكي بس.. إنتي نيتك بيضا وما تعرفيش الدنيا فيها إيه. بكره لما يضيع حاجة من الأوضة، أول واحدة صباع الاتهام هيتوجّه ليها هتبقى إنتي، عشان المفتاح معاكي!"

​ابتسمت ندى دون أن ترد، لكنها شعرت بقبضة خفيفة في قلبها. لم تكن ندى ساذجة؛ كانت تعلم أن مديحة تحفر تحت قدميها منذ اليوم الأول، لكنها لم تكن تتخيل إلى أي مدى يمكن أن يصل مغل مديحة.

​

​في المساء، عادت مديحة إلى شقتها في الدور الرابع. أغلقت الباب بالمفتاح وبدأت تتحرك في الصالة مثل النمر الحبيس. كانت الخطة قد اختمرت في رأسها تمامًا. لن تكتفي بنظرات الشك، بل ستقوم بإنهاء وجود ندى في هذا البيت تمامًا، وبطريقة تجعل "عمر" نفسه يطلقها في نفس الليلة.

​"الحاجة فاطمة" تملك طقمًا ذهبيًا أثريًا يُسمى "كردان الهوانم"، ورثته عن والدتها، وهو مخبأ في صندوق خشبي صغير مبطن بالقطيفة الحمراء داخل دولابها القديم. الجميع يعلم أن المفتاح الثاني للدولاب مع ندى.

​قالت مديحة لنفسها بصوت خافت وصوت ضحكتها المكتومة يملأ الغرفة:

  • ​"لما الكردان ده يختفي من أوضة الحاجة، ويلاقوه مستخبي بين ملايات سرير ندى.. يا ترى هيبقى شكلك إيه يا ست ندى قدام عمر وأمه؟ سارقة.. والحرامية مالهاش قعاد وسط الأسياد!"

​لكن التنفيذ كان يحتاج إلى دقة شديدة. فالخروج والدخول من شقة الحاجة فاطمة في الدور الأرضي يجب أن يكون بحساب. استغلت مديحة موعد صلاة العشاء، حيث ينزل رجال البيت (زوجها وزوج ندى) إلى المسجد، وتنزل الحاجة فاطمة لزيارة جارتها المريضة في أول الحارة، تاركةً الشقة خالية تمامًا لمدة ساعة.

​نزلت مديحة بخطوات قطة مستغلةً هدوء السلم. كانت قد سرقت نسخة من مفتاح الشقة من ميدالية زوجها منذ أسابيع. فتحت الباب ببطء، ودخلت إلى غرفة الحاجة فاطمة. كانت رائحة البخور والمسك تملأ المكان. توجهت مباشرة إلى الدولاب، وبأصابع مرتعشة من الإثارة، فتحت الصندوق القطيفة، وأخذت "الكردان" الذهبي الثقيل.

​لم تكتف مديحة بذلك؛ بل أخذت أيضًا مظروفًا سميكًا يحتوي على مبلغ مالي كبير (حوالي 50 ألف جنيه) كانت الحاجة فاطمة قد جمعته من إيجار المحلات التجارية في نفس الأسبوع لتقوم بتوزيعه كعاداتها في أول الشهر.

​قالت مديحة وهي تبتسم بخبث:

  • ​"عشان الجريمة تكمل.. سرقة وخيانة أمانة كمان!"

​صعدت مديحة سريعًا إلى شقة ندى في الدور الثالث. كانت تعلم أن ندى تركت باب المطبخ المفتوح على المنور مواربًا لتهوية الشقة أثناء وجودها في السوق لشراء مستلزمات العشاء. تسللت مديحة من باب المنور كالأفعى، ودخلت غرفة نوم ندى، ورفعت مرتبة السرير بحذر، ووضعت المظروف المالي والكردان الذهبي في عمق الملايات، ثم انسحبت عائة إلى شقتها وهي تشعر بنشوة انتصار لا مثيل لها.

​

​في تمام الساعة التاسعة مساءً، اجتمعت العائلة كلها في شقة الحاجة فاطمة لتناول العشاء كما هي العادة اليومية. كانت مديحة تجلس وعلى وجهها قناع من الهدوء والبرود، بينما كانت ندى تخدم الجميع بحب.

​فجأة، وقفت الحاجة فاطمة وقالت:

  • ​"يا ندى يا بنتي، هاتيلي المظروف اللي في الدولاب عشان عمك مصطفى السباك جاي ياخد حسابه بتاع تصليح مواسير المحل، وهاتيلي معاه الكردان عشان كنت عايزة أوديه للصايغ ينظفه."

​أومأت ندى برأسها قائلة:

  • ​"من عينيا يا ماما، ثواني ويكون عندك."

​نزلت ندى إلى الغرفة، لكن المفاجأة كانت عندما صرخت بعد دقيقتين صرخة خفيفة:

  • ​"ماما! الدولاب مفتوح.. والصندوق مش في مكانه!"

​وقع الخبر كالصاعقة على الجميع. هرع "عمر" وزوج مديحة "أحمد" إلى الغرفة. سادت حالة من الهرج والمرج. وقفت مديحة في زاوية الغرفة، وبدأت تمثل دور المصدومة ببراعة تستحق عليها جائزة:

  • ​"يا مصيبتي! البيت اتسرق؟ مين اللي دخل هنا؟ دا مفيش غريب بيدخل البيت ده واصل يا فتاح يا عليم!"

​نظرت مديحة بخبث نحو ندى وقالت بنبرة خبيثة:

  • ​"مش إنتي اللي معاكي المفتاح التاني يا ندى؟ إنتي نزلتي هنا بعد العصر؟"

​ارتبكت ندى وقالت:

  • ​"والله ما نزلت يا أبله مديحة، أنا كنت في السوق وبجهز العشا!"

​ردت مديحة فورًا وهي توجه الكلام للحاجة فاطمة:

  • ​"يا حاجة، الغريب مش هيعرف مكان الكردان والفلوس بالظبط. والبيت محدش دخله من بره والبواب واقف على الباب طول اليوم. الموضوع ده فيه إن.. ولازم تفتيش! لازم كل واحد فينا يثبت براءته، وأنا أول واحدة شقتي مفتوحالكم!"

​تدخل عمر بغضب:

  • ​"تفتيش إيه يا مديحة؟ أنتي بتلمحي لإيه؟ ندى مراتي مستحيل تمد إيدها على حاجة مش بتاعتها!"

​قالت مديحة بنبرة حادة ودرامية:

  • ​"يا أخويا على عيني وراسي، بس الشرف مفيش فيه زعل. عشان نقطع الشك باليقين، نفتش الشقق كلها، شقتي وشقتكم، واللي نظيف ما يخافش من التفتيش!"

​وافقت الحاجة فاطمة وهي تبكي على ضياع أثر والدتها:

  • ​"ماشي يا ولاد.. فتشوا البيوت كلها عشان نخلص من الكابوس ده."

​

تم نسخ الرابط