شاى العصارى المسموم مشيره محمد
صعد الجميع أولاً إلى شقة مديحة بناءً على إصرارها لتبعد الشبهات تمامًا عن نفسها. فتش أحمد وعمر الغرف بدقة ولم يجدوا شيئًا. ابتسمت مديحة في سرها وقالت:
- "يلا بقى على الدور الثالث.. شقة عمر وندى."
دخلوا الشقة، وكانت ندى تسير ودموعها على خديها، ليس خوفًا من الفضيحة بل حزنًا على اتهامها الضمني. دخلت مديحة معهم الغرفة، وكانت هي من تقود البحث بحماس غريب. اتجهت مديحة مباشرة نحو السرير، وقالت:
- "نشوف الدولاب والسرير بالمرة عشان نبقى عملنا اللي علينا."
مدت مديحة يدها تحت مرتبة السرير بثقة عمياء، وسحبت يدها وهي تتوقع أن تخرج بالمظروف والكردان لتبدأ بالصراخ والعويل... لكن الصدمة جعلت عينيها تتسعان كالفنجان!
لم تجد يدها سوى الفراغ!
أعادت مد يدها مرة وأخرى وثالثة، وبدأ وجهها يشحب ويفقد لونه، وعرق بارد يتصبب من جبينها. التفتت حولها بذعر، وبدأت تقلب الملايات بشكل عشوائي وهستيري.
سألها زوجها أحمد باستغراب:
- "في إيه يا مديحة؟ بتدوري بلهفة كده ليه كأنك عارفة الحاجة فين؟"
قالت مديحة بتلعثم وارتجاف:
- "لأ.. لأ مش قصدي.. بس أنا قولت يمكن.. يمكن مستخبي هنا!"
في هذه اللحظة، انفتح باب الشقة الخارجي، ودخل رجلان يرتديان ملابس مدنية، وخلفهما ضابط شرطة برتبة نقيب، ومعهما "عم حسن" بواب العمارة.
تجمد الجميع في أماكنهم. قال الضابط بنبرة حازمة:
- "السلام عليكم.. مين هنا السيدة مديحة عبد الرحمن؟"
رفعت مديحة يدها ببطء وهي تكاد تسقط من الطول، وقالت بصوت مرتعش:
- "أنا.. أنا مديحة.. في إيه يا باشا؟"
تقدم الضابط خطوة للأمام وقال:
- "مطلوب القبض عليكي بتهمة السرقة البلاغ الكاذب، وتدبير مكيدة لسرقة أموال ومشغولات ذهبية."
صرخت مديحة:
- "سرقة إيه؟ أنا؟ دا أنا اللي كنت بفتش عشان نلاقي دهب الحاجة! ندى هي اللي سارقة!"
ابتسمت ندى في هذه اللحظة ابتسامة هادئة، والتفتت إلى حماتها وقالت:
- "ماما فاطمة.. الكردان والفلوس في أمان.. اتفضلي."
أخرجت ندى من حقيبة يدها المظروف والكردان وسط ذهول مديحة الذي تحول إلى رعب حقيقي.
الفصل الخامس: العبقرية المزيفة
قال عمر للضابط:
- "فهمنا يا فندم إيه اللي بيحصل بالظبط؟"
أشار الضابط إلى أحد رجال المباحث، الذي أخرج "فلاشة" صغيرة (Flash Drive) وقام بتوصيلها بهاتفه المحمول وعرض مقطع فيديو.
كان الفيديو يظهر مديحة بوضوح تام وهي تتسلل من باب المنور إلى شقة ندى، ثم وهي تضع المظروف والكردان تحت المرتبة، ثم وهي تخرج بنفس الطريقة الخبيثة!
سقطت مديحة على ركبتيها وهي تصرخ:
- "الكاميرا دي جت منين؟ أنتوا كنتوا عارفين؟"
تقدمت ندى نحوها وقالت بصوت قوي ونبرة كلها ثقة:
- "كنت عارفة يا أبله مديحة. من يوم ما جيت البيت هنا وأنتي مش طيقاني، وبتلمحي دايماً إن المفتاح معايا وإن لو حاجة ضاعت هبقى أنا السبب. كلامك العصر معايا أكدلي إنك ناياية على مصيبة في نفس اليوم."
وتابعت ندى وسط إنصات الجميع:
- "أنا جوزي مهندس اتصالات يا مديحة. من أسبوعين بس، لما حسيت بحركاتك الغريبة وكلامك المسموم، خليت عمر يركب كاميرا مراقبة صغيرة جداً ومخفية في فيشة الكهربا اللي قصاد السرير، وكاميرا تانية في المطبخ عشان نأمن شقتنا. وأول ما خرجت من الشقة وكنت في السوق، جالي إشعار على موبايلي إن فيه حركة في أوضة النوم."
أكمل عمر الحديث وعيناه تشتعلان غضباً من زوجة أخيه:
- "شفت الفيديو وأنا في القهوة مع أحمد. اتصلت بأحمد ووريتله الفيديو، ومكنش ينفع نسكت على الغدر ده. نزلت ندى بسرعة قبل ما نرجع البيت كله، ودخلت شقتها أخدت الذهب والفلوس وشالتهم في شنطتها عشان تحميهم، وأنا وأحمد روَّحنا على قسم الشرطة مباشرة وعملنا بلاغ بالسرقة وتدبير جريمة، وجبنا الباشا معانا عشان يقبض عليكي متلبسة بخطتك!"
التفت أحمد إلى زوجته مديحة بنظرة احتقار شديدة وقال:
- "أنتي طالق يا مديحة.. طالق بالتلاتة. أنا عشت معاكي سنين وعارف إنك طماعة وبتحبي المشاكل، بس تو those لمرحلة إنك تسرقي أمي وتتبلي على عرض أخويا ومراته عشان تخربي بيتهم؟ أنتي مكانك السجن!"
الخاتمة: الحفرة العمياء
انفجرت مديحة بالبكاء الهستيري وهي تتوسل للحاجة فاطمة:
- "سامحيني يا حاجة! سامحيني يا أحمد! أنا عملت كده من غلي.. الشيطان وزّني!"
لكن الحاجة فاطمة أدارت وجهها عنها وقالت بقلب مكسور ولكن حازم:
- "الشيطان مبيوزش حد متعلم الخباثة يا مديحة. أنتي اللي قلبك إسود. خدوها يا باشا، القانون ياخد مجراه."
سحب رجال الشرطة مديحة وهي تجر أذيال الخيبة والعار، وسط نظرات الاحتقار من أهل الحارة الذين تجمعوا على صوت سيارة الشرطة. تذكر الجميع في تلك اللحظة المثل الشعبي القديم الذي تجسد أمام أعينهم بحذافيره: "اللي بيحفر حفرة لغيره.. لازم يقع فيها".
عادت السكينة إلى بيت عائلة الشناوي، واحتضنت الحاجة فاطمة ندى وهي تقول لها:
- "ربنا ينصرك يا بنتي، زي ما صنتي البيت بعقلك وذكائك." وعاش عمر وندى في سلام، بعد أن طُهر البيت من الأفعى التي كانت تسكن بين جدرانه.