ندوب الزمن..مشيرة محمد
حصري روايات مشيرة محمد
خمس سنين بعد طلاقنا، جوزي الملياردير قرر يقعد جنبي في الطيارة عشان يفكرني بكل حاجة فاكر إني خسرتها، كان فاكر إني لوحدي وإني قضيت سنين عمري بندم عليه.
اسمي نور، وهارون السيوفي كان آخر واحد أتوقع أشوفه بعد الزمن ده.
أول ما دخل كابينة الدرجة الأولى عرفته فوراً، خمس سنين فاتوا على طلاقنا، بس فيه ناس بتسيب علامات الزمن مش بيمحيها.
للحظة، عينينا جت في عينين بعض، ملامحه نشفت.
قال نورأكيد بتهزري.
قفلت التابلت اللي في حجري وقلتله صدقني يا هارون، لو كنت أعرف إنك على الطيارة دي كنت ركبت العربية وسافرت بيها.
الركاب بصوا علينا، وهارون كان مستمتع بالناس وهي بتبص.
المضيفة شافت تذكرته وقالت يا فندم، مكانك هو...
قاطعها عارف مكاني فين.
لدهشتي قعد جنبي رغم إن فيه كراسي تانية فاضية.
قلتله فيه أماكن تانية ممكن تقعد فيها.
رد عارف.
قلت أومال ليه هنا؟
ابتسامة باردة ظهرت على شفايفه خمس سنين من السكوت، قولت لازم ندردش.
بصيت من الشباك وقلت إنت دايماً بتخلط بين القسوة والثقة.
رد وقال وإنتي دايماً بتخلطي بين الأسرار والبراءة.
معدتي اتقبضت، أهي دي التهمة اللي دمرتنا.
قبل خمس سنين، أنا وهارون كنا من أشهر الكابلز في مصر، هو مؤسس إمبراطورية طاقة نظيفة، وأنا عالمة البيئة اللي ساعدت في بناء التكنولوجيا اللي قام عليها شغله كله. كنا في كل حتة، كفرات مجلات ومؤتمرات، والناس كانت بتقول علينا محدش يقدر يوقفنا.
وفجأة كل حاجة باظت، هارون لقى رسايل على موبايلي، رسايل فهمها غلط، رسايل ملحقتش أشرحها.
لسه فاكرة وأنا واقفة في البنتهاوس بتاعنا والمدينة بتلمع من ورانا.
زعق مين ده؟
قلت مفيش حد يا هارون .
قال أومال إيه الرسايل دي؟
مكنش عايز شرح، كان عايز دليل للقصة اللي رسمها في خياله.
في شهور، المحامين دخلوا في النص، والثقة ماتت، وجوازنا انتهى.
دلوقتي، بعد خمس سنين، قاعدين جنب بعض فوق السحاب.
هارون قال فجأة إنتي اختفيتي.
قلت بدأت حياة جديدة.
قال من غير ما تاخدي مليم.
رديت مش عايزة من فلوسك حاجة.
ده ضايقه أكتر ما كنت متوقعة.
لساعات، عشنا بين الصمت والوجع القديم، ومحدش فينا اعترف قد إيه الموضوع لسه فارق معاه.
أول ما الطيارة نزلت في شيكاغو، حسيت براحة، خدت شنطتي ومشيت ناحية المطار، وحاسة بهارون بيراقبني.
بره المطار، عربيات سوداء كانت واقفة، عالم رجال الأعمال اللي هارون لسه جزء منه.
فجأة عربية سوداء قربت، الباب اتفتح،و ولدين صغيرين نطوا منها.
ماما!
صوتهم رن في المكان، قبل ما أخد نفسي كانوا جاريين عليا.
واحد حضن وسطي، والتاني مسك إيدي
ضحكت وعيني دمعت يا حبايب ماما.
رفعت عيني، هارون كان متسمر مكانه ووشه أصفر، لأن الاتنين عندهم عيني، بس ملامحهم هي ملامحه، نفس الشعر الأسود، نفس الابتسامة، ونفس ملامح عيلة السيوفي اللي ما تتوهش.
لثواني طويلة مفيش حد نطق، هارون خد خطوة واحدة بطيئة، وصوته كان طالع بالعافية
نور...
بصيتله، ولأول مرة من خمس سنين، شفت خوف حقيقي في عينيه، لأنه فهم المستحيل.
الرسايل اللي أنهت جوازنا مكنش ليها أي علاقة براجل تاني، ومن طريقة بصته للولاد، كان بدأ يدرك أخيراً هو خسر إيه فعلاً.
حصري روايات مشيرة محمد
اتجمد هارون في مكانه والدم كأنه هرب من وشه، عيونه كانت بتتحرك بسرعة بيني وبين الولاد، بيحاول يربط الخيوط ببعضها، بيحاول ينكر المنطق اللي قدامه بس الحقيقة كانت أوضح وأقوى من أي إنكار. التلاتة واقفين قدامي، سيف الكبير وعمره ٤ سنين، وعمر وعلي التوأم اللي لسه متموش ٤ سنين، ملامحهم هي نسخة مصغرة منه وهو في سن الطفولة، ملامح السيوفي اللي مفيش مفر منها.
نور.. قوليلي إن اللي بشوفه ده كابوس، أو قوليلي إن الولاد دول مش ولادي، قولي أي حاجة! صوته كان متهدج ومخنووق، وكأنه بيحاول يتمسك بآخر خيط من عالم الغرور اللي كان عايش فيه.
سحبت ولادي لورا شوية بحركة تلقائية، حمايةً ليهم من النظرة الغريبة في عينيه، وبصيتله بكل ثبات مش كابوس يا هارون، دي الحقيقة اللي إنت اخترت ما تسمعهاش من خمس سنين. ودول ولادي.. ولادك إنت كمان، رغم إنك اتخليت عن حقك فيهم قبل ما يتولدوا بمراحل.
سيف بص لهارون بفضول طفولي وسألني ماما، مين الراجل ده؟ وليه بيبص لنا كدة؟ هو زعلان؟
كلمة ماما اللي نطقها سيف خلت هارون يترعش. قرب خطوة تانية، كأنه مسحور بمشهد أولاده اللي بيشوفهم لأول مرة، صوته كان يا دوب مسموع خمس سنين.. نور، إنتي خبيتي عني خمس سنين؟ إنتي عارفة يعني إيه تسرقي مني عمري؟ تسرقي مني أول خطوة، وأول كلمة، وأول لحظة ليهم؟
ضحكت ضحكة مريرة، ضحكة مليانة سنين من التعب والوحدة أنا اللي سرقت؟ ولا إنت اللي طردتني من حياتك قبل ما ألحق أنطق؟ فاكر اليوم ده كويس؟ فاكر لما رميت في وشي ورقة الطلاق وقولتلي إنك مش عايز تشوف وشي تاني؟ الرسايل اللي لقيتها يا هارون.. كانت من دكتور التحاليل ومن صديقتي المقربة اللي كانت بتساعدني أرتبلك مفاجأة الحمل، كانت رسايل عن ترتيبات لرحلة مفاجأة ليك عشان أقولك فيها إني حامل، بس إنت كنت مشغول أوي ب القصة اللي رسمتها في خيالك عني، القصة اللي خليتك تدمر كل حاجة.
هارون حط إيده على راسه، شعره الأسود اللي كان دايماً مهندم بقى مبعثر، ونظراته كانت تايهة كنت مجنون.. كنت مخدوع.. الرسايل كانت توحي بغير كدة، كنت أعمى بالغيرة..
الغيرة مش عذر يا هارون، الغيرة كانت مجرد شماعة علقت عليها شكك فيا وفي حبنا. أنا مشيت وأنا شايلة في بطني تلات أرواح، قررت أبدأ من جديد، قررت أحميهم من عالمك اللي مبيعرفش غير التشكيك والقسوة.
في اللحظة دي، السواق الخاص بيا نزل من العربية وفتح الباب الخلفي، وبصلي بقلق يا فندم، إحنا اتأخرنا، والجو بره مش كويس، لازم نتحرك.
بصيت لهارون نظرة أخيرة، نظرة كانت مزيج من الوجع والوداع أنا مش همنعك تشوفهم، أنا مش زيك يا هارون، مش هستخدمهم سلاح. بس لازم تعرف حاجة واحدة.. إنت خسرت خمس سنين من حياتهم، وخسرت خمس سنين من حياتي، والوقت ده مبيتعوضش