ندوب الزمن..مشيرة محمد
بفلوس ولا بمكانة.
قبل ما أتحرك، هارون مسك إيدي، كانت إيده بتترعش لأول مرة أشوف فيها القوة دي بتتهز نور، استني.. مش هسيبك تمشي. مش بعد ما عرفت. أنا هصلح كل حاجة، هعوضهم، هعوضك.. قوليلي إيه المطلوب؟ أي حاجة في الدنيا.
سحبت إيدي بهدوء المطلوب يا هارون؟ المطلوب إنك تبعد، لأن وجودك دلوقتي مش هيصلح حاجة، ده هيفتح جروح كنت فاكراها خفت. سيبنا في حالنا، واديني وقت أفكر، ولو كان ليك نصيب فيهم، هتعرف طريقنا.
ركبت العربية، والولاد قعدوا جنبي بيسألوني أسئلة بريئة عن الراجل الزعلان اللي كان واقف بره. فضلت باصة من الشباك، وشفت هارون واقف في مكانه، وسط ضجيج المطار، باصص على العربية وهي بتبعد، ولأول مرة، الملياردير اللي العالم كله كان بيعمله ألف حساب، بدا صغير أوي، وضعيف، ومنكسر.
وصلنا الفيلا، دخلت الأوضة وقعدت في الضلمة، شريط حياتي كله عدى قدامي. الخيانة اللي مكنتش موجودة، الوجع اللي عشته لوحدي، الولادة اللي كانت من أصعب ليالي عمري، والمسؤولية اللي شلتها لوحدي. كل ده كان بسببه، وبسبب شك ملوش أساس.
تاني يوم الصبح، لقيت تليفوني بيرن، رقم غريب. رديت لقيت صوت هارون، كان صوته متغير، هادي ومكسور أنا عارف مكانك. مش بعيد عني، وعارف إني خسرت كل حاجة. بس أنا موجود، لو احتجتي أي حاجة، لو الولاد احتاجوا أي حاجة.. أنا مش هتحرك من المدينة دي.
رديت عليه بجمود إحنا مش محتاجين حاجة يا هارون. إحنا كويسين لوحدنا.
قفلت الخط، بس قلبي كان بيدق بعنف. أنا عارفة هارون، هو مش هيسكت، وهيبدأ يحاصر حياتي بطريقته الخاصة. الحرب بيننا لسه مخلصتش، بس المرة دي، المعطيات اتغيرت. هو عرف الحقيقة، وبدأ يدفع تمنها من روحه، وأنا؟ أنا لسه بحاول ألملم بقايا الكبرياء اللي بنيته عشان أعيش.
قضيت بقية اليوم في الشغل، كنت بحاول أركز في الأبحاث، بس صورته وهو واقف قدام المطار مش بتروح من خيالي. كانت نظرة انكسار؟ ولا نظرة صدمة؟ ولا تملك؟ مش عارفة. اللي أعرفه إن التلات ولاد الصغيرين دول هما اللي بقوا محور حياتي، وأي حد، حتى لو كان والدهم، لازم يعدي من خلالهم، ويحترم حياتي اللي بنيتها بدموعي وعرقي.
في المساء، والولاد كانوا نايمين، نزلت الجنينة، لقيت نفسي باصة للسما. خمس سنين من الغربة، من الكفاح، من الخوف.. كل ده كان عشان أحميهم من عالم السيوفي. هل كنت غلطانة؟ هل كان لازم أواجهه من زمان؟ السؤال ده ملوش إجابة دلوقتي. الحقيقة إن المواجهة حصلت، وإن السيوفي اللي كان فاكر إنه امتلك العالم، أدرك أخيراً إنه فقد أغلى ما فيه.
وفجأة، لمحت خيال حد واقف عند بوابة الفيلا من بعيد. هارون. كان واقف بيراقب، مش بيدخل، بس موجود. زي الشبح، زي الذكرى اللي مش عايزة تموت.
دخلت جوا وقفلت الباب، حسيت ببرودة بتسري في جسمي. الصراع الحقيقي مكنش في الماضي، الصراع الحقيقي بدأ دلوقتي، والمرة دي، اللعبة مش في إيديه وحده. المرة دي، أنا اللي بحدد القواعد، وأنا اللي بقرر مين يدخل حياتي ومين يخرج منها، حتى لو كان جوزي السابق، وأبو ولادي.. الملياردير اللي فاكر إن كل حاجة ليها تمن، المرة دي هو اللي هيعرف إن فيه حاجات في الدنيا، مفيش فلوس في العالم تقدر تشتريها، ومفيش سلطة تقدر ترجعها.
عدت أيام، وهارون كان بيحاول يقتحم حياتنا بهدوء. مرة ورد يوصل للولاد من غير كارت، مرة يبعت ألعاب، مرة يبعت حد من رجاله يراقب الفيلا عشان يتطمن عليهم. كان بيحاول يتقرب، بس كنت دايماً بحط حدود. مكنتش عايزة أدي أي فرصة لأي حد يفتكر إن الرجوع سهل.
يوم الجمعة، كنت خارجة بالولاد عشان نغير جو في حديقة عامة، لقيت عربية هارون واقفة في ركن بعيد. نزل منها، كان لابس كاجوال، مش البدلة الرسمية اللي متعودة عليها. قرب مننا بخطوات مترددة، مكنش فيه أي غطرسة، مكنش فيه أي غرور.
ممكن؟ سأل وهو بيشاور على الكرسي الفاضي جنبي.
بصيت للولاد اللي كانوا مشغولين باللعب، وبعدين بصيتله عندك عشر دقايق.
قعد، وسكت شوية، كان بيراقبهم وهما بيلعبوا. شبهك أوي يا نور.. في كل حاجة. حتى الطريقة اللي سيف بيفكر بيها، والهدوء اللي عند علي وعمر.
شبهك إنت كمان في حاجات تانية، في العند، وفي الذكاء. رديت من غير ما أبص في عينه.
نور، أنا مش هعتذر عن اللي فات، لأن الاعتذار كلمة تافهة قصاد اللي عملته. أنا بس عايز فرصة.. فرصة أكون موجود، فرصة أصلح اللي انكسر.
اللي انكسر مبيتصلحش يا هارون، بيتعمل غيره.
طيب اسمحيلي أساعد، اسمحيلي أكون موجود في حياتهم من غير ما أقتحم خصوصيتك. خليني أكون هارون بس، مش الملياردير، مش طليقك.. خليني أكون أبوهم بس.
بصيتله طويلاً، شفت في عينه صدق، أو يمكن ده اللي كنت عايزة أشوفه. الموضوع مش بالسهولة دي. إنت دمرت ثقتي، والثقة دي محتاجة سنين عشان تبنيها من جديد.
ابتسم ابتسامة حزينة مستعد أستنى سنين.
قمت وقفت وناديت على الولاد يلا يا ولاد، وقتنا خلص.
مشيت وأنا حاسة بوجع في قلبي، مش وجع كره، بس وجع حيرة. هارون اتغير، بس هل التغيير ده حقيقي؟ ولا ده جزء من لعبة تانية؟ الأيام هي اللي هتبين، بس اللي أنا متأكدة منه، إن حياتي اللي بنيتها بكل تعب، مش هتتهز تاني بسهولة، مهما حاول، ومهما عمل.
الرحلة دي لسه في بدايتها، والسطور اللي جاية هتكتبها أفعاله، مش كلماته. وأنا، نور، بقيت أقوى بكتير من اللي كانت بتعيط في البنتهاوس من خمس سنين، أنا بقيت أم، وبقيت كيان، وبقيت ست عارفة قيمتها كويس، وعارفة إن أغلى حاجة في دنيتي.. مش هي فلوسه، ولا امبراطوريته، دول تلات ولاد بيحبوني، هما اللي بيخلو للحياة طعم، وهما اللي بيخلوني أكمل، حتى لو كان الطريق قدامي لسه مليان شوك، حتى لو كان هارون قرر يفضل موجود في حياتنا، كذكرى حية، أو كبداية جديدة.. الزمن هو اللي هيقول.