دفء لم أشتره..مشيرة محمد
حصري/ روايات مشيرة محمد
المليونير رجع بيته من غير ميعاد واتجمد في مكانه لما شاف اللي الشغالة بتعمله مع ابنه. وقع كعوب جزمته كان بيرن على الرخام وبيملى الطرقة بصدى مهيب. كمال وصل البيت بدري عن الميعاد اللي متعود عليه. كان عنده 37 سنة، راجل له هيبة وشخصية قوية، دايماً شيك وأنيق، واحد من الناس اللي متعودة على السيطرة، صفقات البيزنس في المكاتب والاجتماعات المهمة في دبي. بس اليوم ده كان مختلف، مكنش عايز عقود ولا رفاهية ولا كلام كتير، كان عايز حاجة حقيقية ودافية، قلبه كان واجعه وعايز يرجع البيت، يحس بالهدوء بعيد عن التوتر اللي كان دايماً بيحيط بوجوده، كان عايز يشوف ابنه "ياسين" اللي عنده 8 شهور، حتة منه، الولد اللي ضحكته اللي من غير سنان تبعث الفرحة في عيون اللي يبصله كان هو النور الوحيد اللي فاضله بعد ما مراته ماتت. كمال مكنش قال لحد برجوعه بدري عن ميعاده لا لفريقه ولا لـ "سعاد" المربية بتاعته، كان عايز يشوف البيت زي ما هو من غيره، طبيعي وحي، وده بالظبط اللي لقاه، بس مش زي ما كان متخيل. لما دخل الطرقة وقف فجأة، ووصل المطبخ وعينيه وسعت وقلبه وقف في صدره. هناك، وسط ضوء الشمس اللي داخل من الشباك، كان ابنه ومعاه واحدة مكنش يتوقع يشوفها "نور" الموظفة الجديدة، بنت شابة في العشرينيات، لابسة لبس الخدم، وشمرت كمامها، وشعرها مرفوع لفوق بطريقة مش منظمة بس مديها شكل جميل، كانت بتتحرك بهدوء شديد ووشها مريح جداً. ياسين كان قاعد جنبها في الحوض، وجسمه الصغير بيتحرك من الفرحة مع كل شوية مية دافية نور بتصبهم على بطنه. كمال مكنش مصدق اللي شايفه، الشغالة بتحمي ابنه في الحوض حواجبه اتعقدت وغريزته كأب اشتغلت وكونه شخص منظم ودقيق وموسوس نظافة ده شيء غير مقبول تماماً، سعاد مش موجودة ومفيش حد أبداً مسموح له يلمس ياسين من غير إشراف، ولا حتى دقيقة واحدة خد خطوة لقدام وهو غضبان، بس في حاجة وقفته، ياسين كان بيضحك، ضحكة مليانة راحة، صوت المية كان بيسمع بالراحة، ونور كانت بتدندن أغنية، أغنية كمال مسمعهاش من زمان جداً، الأغنية اللي مراته الله يرحمها كانت بتغنيها. شفايفه ارتجفت وأكتافه نزلت، فضل يتفرج عليها وهي بتمسح على راس ياسين بالراحة بفوطة ناعمة، وبتنضف كل حتة فيه بحرص كأن العالم كله متوقف على اللحظة دي، مكنش مجرد حموم، ده كان فعل حب حقيقي. ومع ذلك، مين نور دي أصلاً؟ كان يا دوب فاكر اليوم اللي وظفها فيه لما جات عن طريق مكتب تشغيل بعد ما الموظفة اللي قبلها مشيت، كمال شافها مرة واحدة بس، مكنش حتى عارف اسم العيلة بتاعها، بس في اللحظة دي كل ده مكنش مهم هو راقب اللي بيحصل بهدوء نور شالت ياسين بالراحة ولفته في فوطة ناعمة وطبعت بوسة دافية على شعره المبلول، الولد حط راسه على كتفها وهو مطمن، وهنا كمال مقدرش يمسك نفسه أكتر من كده وخد خطوة ناحيتهم.
حصري/ روايات مشيرة محمد
فجأة صوت خبطة جزمتي على الرخام اتغير، ودقات قلبي بقت هي اللي بتعمل الصدى ده، نور اتنفضت في مكانها ولفت وشها ناحيتي، ملامحها كانت هادية جداً، حتى الخضة مخلتهاش تفقد رقتها، حطت ياسين على الرخامة جنب الحوض بالراحة وبدأت تنشفه بالفوطة وهي باصة في الأرض باحترام وقالت بصوت واطي ومتردد: "اهلا يا فندم.. حمد لله على السلامة.. مكنتش أعرف إن حضرتك جيت".
بصيت لياسين اللي كان بيحاول يمسك صباعها الصغير، وبعدين بصيت لها، حاولت ألملم أعصابي اللي كانت مشدودة من شوية، قعدت على كرسي السفرة القريب من المطبخ وسألتها بصوت حاولت أخليه حازم بس كان مخنوق"بتعملي إيه هنا يا نور؟ وإيه اللي جاب ياسين المطبخ؟ وفين سعاد؟"
نور مخدتش وقت في الرد، رفعت عينها في عيني وبصت لي بصدق غريب "يا فندم سعاد هانم راحت تجيب طلبات البيت وقت ما جيت وجبت الملفات اللي حضرتك طلبتها امبارح وطلبت مني أخلي بالي من ياسين، ولما لقيت الجو حر وهو بدأ يزن وعرقان، فكرت إن المطبخ أمان، والحوض ده نظيف جداً وعقمته قبل ما أحميه فيه، ياسين حب صوت المية وملمسها، وده هداه أكتر من أي حاجة"
سكت شوية، الكلمة وقفت في زوري، حموم في الحوض؟ تصرف غريب جداً ومتهور، بس لما شفت الطريقة اللي ياسين باصص لها بيها، الطريقة اللي مطلعش بيها أي صوت عياط من وقت ما دخلت، حسيت إن فيه حاجة أنا معرفهاش، حاجة مفقودة في حياتي وموجودة في حنيتها، كملت كلامي: "الأغنية.. اللي كنتِ بتدندنيها دي، عرفتيها منين؟"
وشها احمر شوية، وكأنها اتكشفت في سر، قالت وهي بتلبس ياسين لبسه بالراحة: "دي أغنية قديمة يا فندم، ماما كانت دايماً تغنيهالي وأنا صغيرة، لما ياسين كان بيعيط مش عارفة ليه جت في بالي، لقيتها بتهديه، أرجو حضرتك متفهمش تصرفي غلط، أنا بس بحبه زي ابني"