دفء لم أشتره..مشيرة محمد

لمحة نيوز

كلمة "زي ابني" كانت تقيلة أوي، خلتني أحس بضعفي، اتنهدت وقلت لها: "ماشي يا نور روحي كملي شغلك، بس مش عايز أشوفه في المطبخ تاني، مفهوم".
هزت راسها بطاعة ونزلت ياسين في حضنها وطلعت بيه على فوق، فضلت قاعد لوحدي في المطبخ، الصمت كان خانق، المطبخ كان دلوقت فيه ريحة شامبو أطفال وريحة دفا، ريحة البيت وضحكات ياسين الاحساس اللي فقدته من سنة.
طلعت أوضتي، غيرت هدومي وقعدت على المكتب، بس التركيز مكنش موجود، بقيت بسمع خطواتها في الطرقة، صوتها وهي بتلاعب ياسين، ضحكته اللي مكنتش بسمعها غير نادراً، الدنيا بره في المكتب والشركات كانت عبارة عن أرقام، بس جوه البيت ده، كنت أنا مجرد راجل غريب لابنه، المربية هي اللي عارفة إيه اللي يضحكه، وإيه اللي بينيمه، وإيه الأغنية اللي بتمسح دموعه.
تاني يوم، لقيت نفسي بغير عادتي، بدال ما أنزل الشركة بدري، فضلت في البيت، كنت عايز أشوف نور دي بتعمل إيه لما ميكونش حد شايفها جت نور بدري زي عاداتها عشان نروح انا وهي الشركة سوا بس اتصدمت لما لقيتها قاعدة في الجنينة، فارشة ملاية كبيرة على النجيلة وياسين نايم جنبها بيلعب بقطع قماش ملونة، كانت بتخيط له لعبة صغيرة بإيديها، كانت بتكلمه وكأنه بيفهم كل حرف بتقوله، كانت بتحكيله عن العصافير وعن الشجر، مش مجرد موظفة بتأدي واجب، كانت بتعيش معاه تفاصيل مش موجودة في كتب التربية اللي كنت جايبها له.
خرجت لها، بصت لي بخوف خفيف، حاولت تقف بس شاورت لها تفضل مكانها، قعدت على الكرسي القريب، سألتها: "إنتِ بتعملي إيه؟"
ابتسمت وهي بتوريلي اللعبة اللي بتخيطها: "دي عروسة قماش صغيرة يا فندم، ياسين لازم يمسك حاجات خشنة بإيده، ده بيساعده على الإدراك، مفيش حاجة بنشتريها بتعوض الطفل عن لمسة حقيقية"
بدأت أتكلم معاها، لأول مرة في حياتي أفتح كلام مع حد شغال عندي، عرفت إنها من منطقة شعبية بسيطة، إنها عاشت تجارب صعبة، إنها فاقدة حد غالي عليها زي ما أنا فاقد مراتي، بس الفرق إنها قررت تحول وجعها لحب، مش لهروب في الشغل والفلوس زيي.
الأيام عدت، والبيت اتغير، مابقاش مكان بارد وموحش، بقى فيه حياة، بقيت أرجع من شغلي بدري واخدها معايا ، بس عشان ألحق أسمعها وهي بتدندن له، أو عشان أشوفه بيحاول يحبي وهو بيضحك لها، بقيت بكتشف إن ياسين بدأ يتعلق بيا أنا كمان، لأنها هي اللي كانت بتخليه يشوفني بعيونها، كانت دايماً تقوله "شوف بابا جه، بابا اللي بيحبك، بابا اللي تعبان عشان يخليك مبسوط يلا روح لبابا 
في ليلة، كان الجو ممطر وماروحناش الشركة وفضلت وقتها في البيت عندي  ياسين سخن شوية، لقيت نور قلقانة جداً، مش زي الموظفين اللي بيستنوا الدكتور، كانت بتكمد راسه بالمية الفاترة، وبتغني له بصوت حزين وجميل، دخلت الأوضة، لقيتها بتعيط بصمت وهي بتطمن عليه، قربت منها، مسكت إيدها اللي كانت بتلعب في شعره، وبصوت مبحوح قلت لها "شكراً يا نور.. شكراً إنك رجعتيلي البيت ده، ورجعتيلي ابني".
بصت لي بدموع، وقالت "يا فندم حضرتك مش عارف هو بيعمل فيا إيه، هو اللي بيرد لي روحي" 
لحظتها أدركت إن الفلوس اللي كنت فاكرها بتشتري كل حاجة، مقدرتش تشتريلي "روح" للبيت، إن الشخص اللي كنت فاكره مجرد سكرتيرة في مكتبي كانت هي الملاك اللي بعتهولي القدر عشان أنقذ نفسي قبل ما أغرق في وحدتي.
قعدت جنبهم وبصيت لياسين اللي نايم براحة ولأول مرة من سنة، حسيت إن قلبي دق براحة، كأن العاصفة خلصت، كأن النور اللي كان ضايع لقيت طريقه، مش بس في المطبخ، ولا في الأغاني اللي بتغنيها، بس في الإحساس اللي بقيت بحسه كل ما أدخل البيت وأسمع صوت ضحكة ياسين، وفي اللحظة اللي نور بتبص لي فيها بابتسامة بتقولي إن كل حاجة هتبقى كويسة.
الحياة مش صفقات، الحياة هي اللحظات اللي بنقضيها واحنا بنهتم ببعض، ودي كانت أغلى صفقة عملتها في حياتي، صفقة بـ إنسان، بقلب، وببيت رجع ينبض من تاني، واليوم ده، وأنا باصص لياسين وهو نايم في حضنها، عرفت إن كمال، المليونير اللي كان فاكر إنه عنده كل حاجة، كان في الحقيقة بيبدأ حياته الحقيقية بس، وبدأ يدرك إن السعادة مش هتيجي بشغله وفلوسه، السعادة في حضن دافي، وأغنية قديمة، وبيت فيه حد بيخاف عليك بجد، من غير ما يستنى مقابل.
قررت في اللحظة دي إني مش هسمح للوقت إنه يسرق اللحظات دي مني تاني، قررت أكون أب، وأكون إنسان، قبل ما أكون مليونير، لأن الفلوس ممكن تشتري أي حاجة في الدنيا، إلا "الحب" اللي شفته في عين نور وهي بتحمي ابني في الحوض، ولا الطمأنينة اللي بقت ساكنة جدران بيتي، وكل ده كان بفضل ست بسيطة، قدرت تلمس أعماق قلبي، وتغير مسار حياتي كلها، وتخلي المليونير اللي كان عايش في برود، يدوب في أول ضحكة تطلع من قلب ابنه.
تمت. روايات مشيرة محمد
 

تم نسخ الرابط