كامله لمشيره محمد
في اللحظة دي، أستاذ أشرف المحامي دخل في الكلام وقال بحدة:
"كلام جميل يا حاج إسماعيل.. بس مقلتش لمدام رانيا إيه علاقتك بطارق؟ وإيه اللي جاب صورتك في ملف تزوير التوقيع ونقل ملكية أملاكها؟"
أبويا بص لأشرف وتنهد تنهيدة طويلة، وطلع من جيبه علبة سجاير، ولع واحدة وإيده بترعش وقال:
"طارق.. طارق يبقى ابن نصاب قديم كان شغال معايا زمان في بورسعيد. طارق عرف سري من سنة.. عرف إني عايش وجر شكلي، وهددني إنه يبلغ الإنتربول ويوديني في داهية ويفضح كل حاجة ويهد الإمبراطورية اللي بنيتها بره لو مأمنتش مستقبله. أنا مكنتش أعرف إنه متجوزك أنتِ! لما عرفت، حاولت أتدخل، بس هو كان أفعى.. قالي لو فتحت بوقك، هأذي رانيا وبنتها، وهخلي سيرتك في مصر على كل لسان.. نصاب ومزور."
قربت منه وأنا كلي غل، وسألته:
"وطالما أنت خايف على نفسك كده.. إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟"
بصلي وعينه فيها نظرة حاسمة وقالي:
"جيت عشان طارق خلاص مبقاش وراه حاجة يخسرها. طارق بعد ما أنتِ دمرتيه وبعتي الفيلا وسحبتي منه العربيات وتجمدت حساباته في شرم الشيخ.. اتجنن! كلمني من ساعة.. كان بيصرخ زي المجنون، وقالي إنه راجع القاهرة، ومعاه رجالة، وناوي يخلص عليكي وياخد البنت ويهرب بيها بره البلد، ويجبرك تمضي على كل التنازلات تحت التهديد. هو عرف مكان الشقة السرية دي عن طريق تتبع تليفونك القديم اللي سيبتيه في الفيلا."
أشرف المحامي وقف بسرعة وقال:
"النهار مش فايت! إحنا لازم نبلغ الشرطة فوراً ونمشي من هنا."
أبويا وقف وقال بثقة رجعتله فجأة:
"الشرطة بره الشارع ده مغرقاه يا متر.. أنا اللي مبلغ عن طارق بتهمة الابتزاز والتزوير، وقدمت كل التسجيلات اللي معايا ليه وهو بيبتزني في فلوس رانيا. بس طارق مش جاي لوحده.. طارق معاه أمه، والحاجة نادية هي الراس المدبرة لكل ده.. هي اللي كانت بتديله الأفكار عشان يسرقك."
وفجأة.. ومن غير أي مقدمات، سمعنا صوت صريخ بره في المدخل، وصوت فرملة عربيات قوية هزت الشارع كله، ووراها صوت ضرب نار وضجة قلب الدنيا!
أشرف جري على البلكونة وبص بالراحة، ورجع وشه مخطوف:
"طارق وصل! ومعاه تلاتة بلطجية.. بس البوكسات قفلت الشارع عليهم والضرب شغال!"
أنا حضنت مريم بنتي جامد، ودموعي بتنزل على وشها الصغير. مكنتش مصدقة إن الراجل اللي اخترته وشيلت اسمه، يطلع بالوساخة دي.. ناوي يقتلني ويسرق بنتي!
في لحظات، سمعنا صوت تكسير باب العمارة اللي تحت، وصوت رجلين بتجري على السلم. الباب بتاع شقتنا خبط بقوة رهيبة، وكأن حد بيضربه بشاكوش.
"افتحي يا رانيا!!! افتحي يا بنت الـ...!!! والله ما هسيبك! هقتلك وأخد البنت وأحرق قلبك!"
ده كان صوت طارق.. صوته مكنش بني آدم طبيعي، كان صوت وحش مجروح ومغلول بعد ما كل خططه فشلت وخسر كل الملايين في لحظة.
أبويا وقف ورا الباب، ومسك فازة نحاس ثقيلة كانت على التربيزة، وقال لأشرف: "جهز مسدسك يا متر.. لو دخل مش هيسمي علينا."
"طارق! ارمي السلاح اللي في إيدك وسلم نفسك! المكان كله محاصر!"
ده كان صوت ضابط الشرطة اللي طلع وراه على السلم.
طارق بره كان بيصرخ زي المجنون: "مش هسلم نفسي! البنت دي بنتي والفلوس دي فلوسي! رانيا دي كانت حتة سكرتيرة في شركة.. أنا اللي عملت لها قيمة!"
رديت عليه بأعلى صوتي من ورا الباب والغل مالي قلبي:
"أنا اللي عملت نفسي يا طارق! أنا اللي شريت الفيلا بفلوسي وشقايا قبل ما أعرف أصلك وفصلك! أنت طلعت حتة نصاب وجربوع وعايش على قفا الستات.. والنهاردة نهايتك!"
الكلمات دي خلت طارق يفقد أعصابه تماماً، ضرب طلقة نار على كالون الباب، الباب اتهز بس مأفتحش لأن أشرف كان مأمنه بقفل حديد إضافي. وفي نفس اللحظة.. سمعنا صوت هجوم العساكر.
"امسكوه!! ارمي الطبنجة دي!!"
صوت ضرب، وعركة حامية، وصريخ الحاجة نادية أمه وهي بتصوت من على السلم: "يا لهوي يا فضحتي! يا خراب بيتك يا طارق! سيبوا ابني.. ده باشا وابن باشوات!"
وبعد دقيقتين من الهبد والرزع.. الصوت هدي تماماً.
سمعنا صوت خبطة رقيقة على الباب، وصوت الضابط بيقول: "يا مدام رانيا.. افتحي.. خلاص، المتهم اتقبض عليه هو والبلطجية اللي معاه، وأمه كمان اتقبض عليها بتهمة التستر والمشاركة في التزوير."
أبويا فتح الباب.. والضابط أول ما شاف الحاج إسماعيل، سكت للحظة، لأن إسماعيل كان المفروض ميت في السجلات. بس إسماعيل قدم للضابط كارنيه وبطاقة تانية وقال له: "أنا معاك يا فندم في المأمورية.. وجاهز أنزل النيابة أسجل أقوالي وأعترف بكل حاجة من تلاتين سنة لحد النهاردة.. المهم بنتي وبنتها يكونوا في أمان."
بصيت لأبويا.. الراجل اللي كنت فاكراه سراب، الراجل اللي حرمني من حنانه حداشر سنة عشان يحمي ثروته ونفسه. مكنتش قادرة أسامحه بالكامل، بس في نفس الوقت، لولا وجوده وتأكيده للمحامي بالملفات، كان زمان طارق لبسني قضية جنون وسرق مني مريم.
قربت من أبويا وقلتله بصوت هادي:
"أنا مش هنسى إنك جيت هنا عشان تحميني يا بابا.. بس إحنا محتاجين وقت طويل أوي عشان نرجع نتكلم زي زمان.. الحداشر سنة مكنوش سهلين."
هز راسه بدموع وقال: "موافق يا بنتي.. المهم إنك رفعتي راسي، وطلعتي بـ مية راجل، وكسرتي عين اللي افتكرك ضعيفة لمجرد إنك ولدتي وفي غرفتك."
بعد مرور سنة..
قاعدة في تراس شقتي الجديدة الفاخرة المطلة على النيل، الشقة دي شريتها من تمن الفيلا القديمة اللي بعتها بـ 23 مليون. مريم بنتي بقت عندها سنة، بتتحرك وتلعب قدامي في المشاية ولابسة فستان أبيض زي الملايكة.
طارق وأمه الحاجة نادية أخدوا 10 سنين سجن مشدد بتهم التزوير، والشروع في القتل، والابتزاز، والسرقة بالإكراه.
وأبويا؟ قضى كام شهر في التحقيقات ودفع غرامات ضخمة لتسوية أوضاعه القديمة، ودلوقتي عايش في هدوء، وبيجي كل أسبوع يشوف حفيدته مريم ويزورني، وبدأنا واحدة واحدة نبني اللي اتهدم زمان.
طلعت تليفوني، وبصيت على صورتي وأنا واقفة تحت المطر من سنة.. وصورتي دلوقتي وأنا وسط ملكي وبنتي في حضني، وابتسمت وقلت لنفسي:
"الست المصرية ممكن تستحمل وتصبر.. بس لو جيت على كرامتها وعلى ضناها.. تقلب الدنيا وتجيب حقها من تحت الأرض."
تمت.. مشيره محمد