غرفة العمليات.. مشيره محمد

لمحة نيوز

​ردت دنيا بصوت مخنوق، والدموع تحرق عينيها:
​ـ هو يريد قلبي يا طارق... هل تستوعب ذلك؟ يريد بيعي قطعة قطعة! والأوراق التي وقعتها له... هل يعني ذلك أنه يمتلك كل شيء الآن؟
​أطبق طارق على عجلة القيادة بقوة وقال:
​ـ نظريًا، نعم. التوكيلات العامة التي وقعتِها تمنحه صلاحية التصرف في كل شيء. وبوفاتك، هو الوريث الوحيد. لكن الأهم الآن هو الورقة التي على الفلاش ميموري. هل أنتِ متأكدة مما رأيتِ؟ "متبرعة جاهزة"؟
​ـ نعم، ورأيت فصيلة دمي والقياسات... والأسوأ، سمعت صوته وهو يبيعني!
​صمت طارق للحظة يفكّر، ثم قال بنرة حازمة:
​ـ لا بد من المواجهة بالحقائق، ولكن ليس في قسم الشرطة. كريم لديه نفوذ وعلاقات، وأي محاولة للذهاب للشرطة الآن ستنتهي بوضعه تحت حراسته في المستشفى مرة أخرى، وحينها سيقضي عليكِ قانونيًا وطبيًا. نحن بحاجة لمكان محايد، ومصدر قوة أقوى من نفوذه.
​ـ وما هو؟
​ـ الرأي العام. لكن ليس بالطريقة التي استخدمها هو. علينا أن نكشف القصة كاملة، بالأدلة التي معكِ، في مكان لا يجرؤ على المساس بكِ فيه.
​في هذه الأثناء، في المستشفى، كان كريم يغلي غضبًا. رانيا فوزي، طبيبة التخدير، كانت تذرع المكتب جيئة وذهابًا بتوتر.
​ـ لقد هربت يا كريم! كيف حدث هذا؟ الحراسة كانت عند الباب!
​صرخ كريم وهو يضرب المكتب بقبضته:
​ـ لا أعرف! يبدو أنها استخدمت سلم الخدمة. لكن هذا لا يهم الآن. الأهم هو المريض الذي سيصل من أمريكا في غضون تسع ساعات. المبلغ تم تحويله بالكامل لحساب خارجي. إذا لم تتم العملية، سنخسر كل شيء، وسينكشف الأمر!
​دخلت والدته سامية، ببرود جليدي:
​ـ لا تقلق يا كريم. لقد قمت بواجبي. أعلنت أنها تعاني من هلاوس وأنها حاولت الانتحار سابقًا. أي كلام ستقوله الآن سيُفسر على أنه جزء من مرضها. عليك فقط أن تجدها قبل أن تلتقي بشخص عاقل.
​كريم، بعينين تلمعان بالجشع والخوف:
​ـ أمي، أنتِ محقة. لكن الدنيا كانت ذكية، لابد أنها ذهبت لطارق رياض. اتصلي بمعارفنا في الأمن، علينا تتبع هاتفه وهاتفها إذا قامت بفتحه. علينا محاصرتها قبل أن تنشر أي شيء.
​قاد طارق السيارة إلى منطقة منعزلة في ضواحي القاهرة، حيث يمتلك صديق له فيلا قديمة ومهجورة. كان المكان آمنًا مؤقتًا. هناك، فتحا الكمبيوتر المحمول مرة أخرى.
​ـ اسمعي يا دنيا، الخطة كالتالي. علينا تحميل الملفات على عدة سيرفرات خارجية آمنة. وعلينا إرسال نسخة واحدة فقط لجهة موثوقة.
​ـ من؟ أي صحفي سيجرؤ على نشر هذا؟
​ـ ليس صحفيًا عاديًا. سنتصل بالإعلامي يوسف العادلي، هو معروف بجرأته وعدائه للفساد الطبي، ولديه برنامج يحظى بمتابعة ملايين. سأحاول التواصل معه مباشرة.
​بينما كان طارق يحاول الاتصال بيوسف العادلي، كانت دنيا تتصفح الملفات الطبية المسمومة. فجأة، توقفت عند ملف غريب. كان ملفًا يحتوي على مراسلات قديمة بين كريم ومستشفى أمريكي.
​ـ طارق، انظر هنا.
​اقترب طارق ونظر للشاشة. كانت المراسلات قبل زواجها من كريم بسنة واحدة. كان كريم يطلب معلومات عن تكاليف وتقنيات زراعة الأعضاء المتطورة، وكان يستفسر عن المرضى الأثرياء الذين يحتاجون لقلوب على وجه الخصوص.
​ـ يا إلهي... قال طارق بدهشة:
​ـ الزواج منكِ لم يكن إلا خطوة في مخطط بدأه منذ سنوات! كان يبحث عن "الضحية المثالية"؛ غنية، وحيدة بعد وفاة والدها، ولديها مشكلة صحية بسيطة في القلب يمكن استغلالها وتضخيمها!
​توقف قلب دنيا للحظة.
​ـ يعني... أنا لم أكن مريضة بحق؟
​كشف الملف عن تقارير طبية من أطباء آخرين، كان والدهم قد استشارهم، تشير إلى أن حالة صمام قلب دنيا بسيطة ولا تستدعي عملية جراحية، بل مجرد متابعة وعلاج دوائي. لكن كل هذه التقارير تم إخفاؤها، وتم استبدالها بتقارير كريم التي تؤكد على خطورة الحالة وضرورة العملية.
​ـ الخسيس! همست دنيا بغضب عارم، تحول رعبها فجأة إلى رغبة في الانتقام.
​ـ لقد قتل أبي أولاً! والدي مات بنوبة قلبية مفاجئة، وكان كريم هو من يعالجه في الأيام الأخيرة. كان هو من يكتب له الأدوية!
​نظر طارق للملفات بعين فاحصة:
​ـ لا يوجد دليل قاطع على قتله لوالدكِ هنا، لكن هذا الملف يثبت النية المبيتة للاحتيال عليكِ واستغلال حالتكِ الطبية. هذا يكفي لتدميره.
​في تلك اللحظة، نجح طارق في الوصول ليوسف العادلي. بعد شرح سريع للوضع وإرسال بعض الأدلة الأولية، وافق يوسف على استضافة دنيا في حلقة استثنائية تبث بعد ساعتين.
​ـ قال إنه سيؤمن لنا مخرجًا آمنًا من هنا إلى الأستوديو. لكن علينا التحرك الآن، المخابرات العامة بدأت تتتبع هاتف طارق.
​كانت الساعة تقترب من الثالثة فجراً عندما وصلت سيارة سوداء مصفحة ونقلت دنيا وطارق إلى مدينة الإنتاج الإعلامي. كان يوسف العادلي بانتظارهما.
​ـ أهلاً بكِ يا مدام دنيا. ما سمعته وما رأيته من أدلة أمر يندى له الجبين. مستعد لفضحه؟
​أومأت دنيا برأسها، وقد استعادت هدوءها بفضل غضبها:
​ـ مستعدة.
​في الجانب الآخر، في المستشفى، كان كريم وسامية يتابعان الأخبار. فجأة، ظهر تنويه على الشاشة: "حلقة استثنائية من برنامج "الحقيقة العارية" مع يوسف العادلي.. دنيا الشاذلي تكسر صمتها وتكشف المخطط المرعب لزوجها "طبيب المعجزات".
​شحب وجه كريم تمامًا، وسقط الهاتف من يده.
​ـ لقد فعلتها! صرخ برعب.
​قالت سامية بحزم، وهي تحاول الحفاظ على تماسكها:
​ـ اتصل بوزير الصحة! اتصل بأي شخص! عليهم إيقاف البث!
​ـ لن يستطيعوا! يوسف العادلي لا يتلقى أوامر من أحد!
​بدأت الحلقة. يوسف العادلي بلمحة جادة على وجهه:
​ـ مشاهدينا الكرام، ليلة أمس، صُدمنا بتصريحات الدكتور كريم المنصوري حول زوجته الهاربة. لكن الليلة، الحقيقة لها وجه آخر. دنيا الشاذلي ليست مريضة نفسية، وليست هاربة... هي ضحية خديعة طبية لا تخطر على بال. دنيا، تفضلي، قولي للعالم ما حدث.
​بدأت دنيا سرد القصة منذ البداية، منذ حب كريم المزيف، وتدريجياً كشفت عن الأوراق.
​ـ هذا تشخيصي الحقيقي من خمس سنوات، وهذا تشخيص كريم المزيف. وهذه هي المراسلات التي تثبت أنه كان يخطط لبيع قلبي قبل زواجنا!
​عرض يوسف الأوراق على الشاشة، ثم شغّل التسجيل الصوتي الذي سجلته دنيا من مكتب كريم. صوته وهو يقول: "وبعدها هنعلن إن حصلت مضاعفات... دفع مبلغ يستاهل العملية." وصوت رانيا فوزي وهي تتحدث عن جرعة التخدير.
​عم الصمت في الأستوديو، وفي كل بيت كان يشاهد الحلقة.
​*** في المستشفى، كان كريم يشاهد نهايته تُعرض على الهواء مباشرة. دخل ضباط من الرقابة الإدارية والمباحث الجنائية المكتب.
​ـ الدكتور كريم المنصوري؟ قال الضابط بحزم.
​ـ أنت مطلوب للتحقيق بتهمة الشروع في القتل، والاحتيال، والاتجار بالأعضاء البشرية، والتزوير في أوراق رسمية.
​نظرت سامية إلى ابنها ببرود، ثم التفتت للضابط:
​ـ أنا لا علاقة لي بهذا، هو من قام بكل شيء. أنا كنت أحاول حمايته من نفسه.
​صدم كريم من خيانة أمه في اللحظة الأخيرة.
​ـ أمي؟ أنتِ كنتِ تعرفين كل شيء!
​ـ خذوه. قال الضابط.
​تم القبض على كريم، وعلى رانيا فوزي التي حاولت الهرب، وتم التحقيق مع سامية.
​عادت دنيا إلى قصرها، ليس كضحية، بل كمنتصرة. لكنها كانت وحيدة. جلست في مكتب والدها، تتأمل صورته.
​أُلغيت كل التوكيلات، وعادت مجموعة شركات الشاذلي تحت إدارتها الكاملة. الصندوق الاستثماري تم تأمين حسابه.
​بعد أيام، استقبلت دنيا رسالة من المستشفى الأمريكي الذي كان كريم يتراسل معه. كانوا يقدمون لها اعتذاراً رسمياً، ويؤكدون أنهم لم يكونوا على علم بطبيعة مخططه الإجرامي، وأنهم أوقفوا التعامل مع أي مريض عن طريقه.
​لكن الأهم، كان هناك تقرير طبي مرفق من المستشفى، مبني على الفحوصات الشاملة التي أجرتها دنيا في مستشفى حكومي آخر بعد الحادثة.
​التقرير يؤكد: "صمام القلب في حالة ممتازة، ولا يوجد أي داعٍ لأي تدخل جراحي حالياً، ومعدلات الأداء طبيعية تماماً."
​ابتسمت دنيا، دمعة وحيدة تسقط من عينها.
​لقد كان كريم محقاً في شيء واحد: "مفيش حد فاهم قلبك أكتر مني."
​لكنه لم يفهم أن قلبها، الذي كان يريد بيعه، كان قوياً بما يكفي ليكشف خديعته، ويستعيد حياتها من براثنه.
​في النهاية، الحب المزيف الذي دخله به الأوضة، كان هو المفتاح الذي فتح لها أبواب الحرية، بينما الحب الحقيقي لذكرى والدها، كان هو الدافع الذي جعلها تقاتل حتى الرمق الأخير.
​خرجت دنيا إلى الشرفة، تتنفس هواء القاهرة الصباحي. لم تعد تخاف من الليل، ولا من البنج، ولا من "طبيب المعجزات". المعجزة الحقيقية، كانت أنها لا تزال حية، وأن قلبها، ينبض بقوة، وبكل "حب"... لنفسها، وللحياة.تمت.. مشيره محمد 

تم نسخ الرابط