ميكانيكيه... لمشيره محمد
"أنا الأسطى ملك يا باشا. اللي أصلحلك عربيتك في خمس دقائق، وأعلمك إن الفلوس مش كل حاجة تقدر تشتري بيها العقول.. أو تسد بيها عين الناس."
سليم مسك ذراعها بسرعة قبل ما تلف وتمشي: "ملك؟ أنتِ ملك بنتي؟ أنتِ اسمك ملك سليم الإدريسي؟"
ملك شلت إيده من على ذراعها بقوة، وعينيها لمعت بغضب مكتوم بقاله خمسة عشر سنة:
"أنا ملك بس! مالهاش لزمة باقي الألقاب العالية دي. الإدريسي ده اسم يتقال في المكاتب المكيفة والشركات، مش في ورش السبتية بين الشحم والحديد!"
الموظفين وحراس سليم بيه تبادلوا نظرات الصدمة، الهمس زاد بشكل مش طبيعي، وسليم حس إن الأرض بتلف بيه. افتكر اليوم اللي ساب فيه أمها، نورا، عشان يتجوز سيدة أعمال من عيلة كبيرة تساعده يطلع القمة. افتكر يوم ما خد شنطته وخرج من الشقة القديمة، وأمها بتعيط والطفلة الصغيرة ذات السبع سنين ماسكة في رجله وبتبكي: "بابا متسبناش، أنا بحبك!" لكنه زقها ومشي، وسابهم للمرض والفقر، واكتفى إنه يبعت كل شهر قرشين مع محامي، لحد ما نورا ماتت والخبر انقطع من سنين.
سليم بلع ريقه وصوته كان بيترعش:
"أنا... أنا دورت عليكِ والله بعد ما أمك ماتت، المحامي قال إنك اختفيتِ من البيت القديم وما حدش عارف طريقك..."
ملك ضحكت ضحكة مكسورة، ضحكة فيها وجع سنين طويلة:
"دورت عليا؟ بجد؟ دورت عليا وأنت راكب الطيارات وبتعمل صفقات بالمليارات؟ المحامي بتاعك جه بعد ما أمي ماتت بثلاث أيام، جايب ورق تنازل عن أي حتة أرض أو حق لينا عشان هانمك الجديدة تطمن! أستاذ عماد الميكانيكي، الراجل الطيب اللي شغال في الشارع اللي ورانا، هو اللي سترني.. هو اللي أخدني ورشاني وعلمني يعني إيه شغلانة شريفة تعيشني مرفوعة الراس وما أحتاجش لقرش حرام أو لحنية مزيفة من حد سابني."
سليم بص على هدومها، على الأوفرول الأزرق المتبقع بالزيت والشحم، وعلى جزمتها المقطوعة. قلبه اتعصر وجع وندم:
"يا بنتي.. أنا غلطت، عارف إني غلطت في حقك وحق أمك. بس ربنا بيبعت لي الفرصة دي عشان أعوضك! أنتِ بنتي الوحيدة، ثروتي كلها ليكي، الملايين اللي اتكلمت عنها دي ولا حاجة.. أنتِ هترجعي معايا، هتعيشي في القصر، وهتسيبي الشغلانة دي فوراً!"
ملك بصلته بنظرة حادة، وقربت منه لحد ما بقت الفاصلة بينهم شبر واحد:
"عوضني؟ تعوضني عن إيه ولا إيه يا سليم بيه؟ تعوضني عن الليالي اللي كنت بنام فيها بردانة وأمي بتكح دم ومش لاقية حق الدوا؟ ولا تعوضني عن يوم ما البنات في المدرسة كانوا بيجيبوا أهاليهم في حفلات التفوق وأنا واقفة لوحدي ببتسم عشان محدش يشوف دموعي؟ الفلوس بتشتري عربيات زي دي.."
شاور على عربيتها الفارهة وكملت:
"..وبتعمل هيبة قدام الناس اللي خايفة منك في الشركة. لكن الفلوس ما بتمحيش القسوة من القلوب، ولا بترجع سنين العياط."
سليم حس بعجزه، أخد نفس طويل وطلع محفظته الجلد الفخمة، وكتب شيك بسرعة وإيده بتترعش:
"ده شيك بعشرة مليون جنيه.. زاي ما اتفتقنا في الأول. خذيه يا ملك، ده حقك شغل إيديكي، ونبدأ صفحة جديدة.. أوعدك هعملك كل اللي أنتِ عايزاه."
ملك بصت للشيك اللي في إيده، وبعدها بصت لوشه المليان رجاء. لثواني، الجراج كله كان ساكت، الكل مستني شوف البنت هتسيل للرقم الخيالي ده ولا لأ.
مدت إيدها وأخدت الشيك من إيده بالراحة. سليم اتنفس بطفح وأمل إنها تقبل تسامحه، لكن ملك مسكت الشيك بأطراف صوابعها المتوسخة شحم، وبكل هدوء وبدون أي تردد... قطعت الشيك حتت صغيرة ورمته في الهواء، عشان يطير ويتناثر على كبوت العربية المصلحة!
سليم اتصدم وشهق: "ملك! أنتِ بتعملي إيه؟ ده عشرة مليون!"
ملك ابتسمت نفس الابتسامة الهادية اللي ابتسمتها لما الموتور دار:
"أنزل اشتري بيهم ضمير يا سليم بيه.. أو اشتري بيهم ثواني ترجع بيها بالزمن عشان تدور على بنتك وهي محتاجة لقمة أو حضن، مش وهي كبرت وبقت ست بمليون راجل ومش محتاجة لك."
سليم مسك إيدها بتوسل: "طب قولي لي أعمل إيه؟ أعمل إيه عشان تسامحيني؟ أنا مستعد أتنازل عن كل حاجة!"
ملك مسكت شنطة الصعدة الصاج بتاعتها، وشالتها على كتفها بقوة وثبات. بصت له للمرة الأخيرة وقالت بصوت واثق يزلزل المكان:
"أحسن حاجة تعملها إنك تركب عربيتك دي وتسوقها وتغور من قدامي. العربيات العطلانة أنا بعرف أصلحها وأخلي موتورها يرن زي الساعة.. لكن القلوب العطلانة بالأنانية والقسوة، مالهاش ميكانيكي بصلحها."
فتحت ملك باب الجراج، والشمس دخلت تنور وشها السمور الصافي. خرجت للشارع بخطوات واثقة وسابت الملياردير واقف في وسط حرّاسه وموظفيه، بين بواقي الشيك المترمي على الأرض وصوت موتور عربيته الجديد اللي بيصرخ بفخامة، لكنه كان فاضي وميت من جوه.. تماماً زي صاحبه.
تمت.. مشيره محمد