الطائره

لمحة نيوز


شريف كان بيدور على أي رحلة فيها طبيب مسافر لوحده، وبعدها كان بيحاول يختار شخص مناسب.
وإنت عرفت؟
من واحد كان شغال معاهم وقرر يتعاون مع الشرطة.
ثم سكت لحظة وقال
بس فيه حاجة أنا ما كنتش عارفها.
إيه؟
إنهم هيختاروك فعلًا.
أمال الرسائل؟
ابتسم.
الرسائل الأخيرة كنت ببعتها أنا.
والأولى؟
هنا تغيرت ملامحه.
الأولى؟
الرسالة اللي قالت إن الجنين مات من ثلاثة أيام.
دي مش مني.
تجمدت.
يعني إيه؟
قال
أنا ما كنتش عارف المعلومة دي.
بصيت له.
مين بعتها إذن؟
قال
ده اللي لازم نعرفه.
في اللحظة دي...
رن موبايلي.
نفس الرقم المجهول.
فتحت الرسالة.
خلصت الحكاية يا دكتورة.
رفعت عيني لياسين.
ثم وصلت رسالة تانية
بس متنسيش... مش كل اللي أنقذك كان بريئًا.
اتجمدنا إحنا الاتنين.
ياسين قال
وريني.
وريته الرسالة.
فضل ساكت.
ثم قال
الرقم ده مش رقمي.
أنا عارفة.
بعد ثواني...
وصلت رسالة ثالثة.
شكرًا لأنكِ ما لمستيش المريضة.
ثم
لو كنتِ لمستيها... كان كل شيء انتهى.
رفعت عيني.
مين إنت؟
ما جاش رد.
وبعد دقيقة...
وصلت آخر رسالة
اعتبريها هدية من شخص كان مدينًا لوالدكِ بحياته.
اتسمرت مكاني.
والدي؟
أنا والدي توفى من عشر سنين.
وبعدها بدقائق، وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت.
ألو؟
مافيش رد.
مين؟
جاء صوت رجل عجوز.
دكتورة ليلى؟
أيوه.
أبوكي كان اسمه الدكتور محمود؟
اتجمدت.
أيوه.
كان صاحبي.
حضرتك مين؟
ضحك بهدوء.
واحد أبوكي أنقذه من الموت من سنين.
بس حضرتك مين؟
قال
اسمي فؤاد.
سكت لحظة.
أبوكي قبل ما يموت كان عارف إن فيه ناس بتستغل الأطباء في قضايا مفبركة.
وإنت عرفت إنهم هيستهدفوني؟
كنت براقبهم.
والرسائل؟
أنا اللي بعتها.
بصيت لياسين.
ثم سألت
بس ليه ما اتصلتش بيا من الأول؟
ضحك.
لأن لو اتصلت، كان ممكن حد يراقب مكالمتنا.
وإنت كنت عارف إنهم هيختاروني؟
أيوه.
ليه؟
لأنهم كانوا فاكرين إنك نسخة من أبوكي.
سكت.
نسخة منه؟
طبيبة، وبتحاولي تنقذي أي حد حتى لو على حساب نفسك.
ثم قال
وأنا كنت عارف إن أكبر نقطة ضعف عندهم هي إنك مش هتدخلي الفخ بسهولة.
ابتسمت رغم كل اللي حصل.
كنت واثق فيا للدرجة دي؟
أبوكي هو اللي علمني أثق في الناس الصح.
ثم أغلق الهاتف.
بصيت لياسين وقلت
يعني كل اللي حصل كان مراقب من أكتر من شخص؟
تقريبًا.
وأنا كنت آخر واحدة تعرف.
ضحك.
أهم واحدة في القصة كلها.
بعد أسبوع...
رجعت لحياتي الطبيعية.
لكن الحكاية ما انتهتش عند كده.
لأن القضية كبرت.
الشرطة اكتشفت إن شريف كان جزءًا من مجموعة أكبر بتستهدف أطباء ورجال أعمال ومسافرين ميسورين.
كانوا يختاروا الضحية بعناية.
ويحطوا قدامها موقف إنساني صعب.
وبعدين يصوروا كل حاجة.
ولو الضحية تدخلت...
يبدأ الجزء التاني من الخطة.
اتهامات.
شهود مزيفين.
تقارير طبية مزورة.
ثم ابتزاز.
أما لو رفضت المساعدة...
كانوا يستخدموا فيديوهات الركاب ضدها، ويشوهوا سمعتها.
لكن خطتهم وقعت لأنهم اختاروا الشخص الخطأ.
أنا.
وفي يوم...
كنت في المستشفى.
وأنا داخلة العيادة، لقيت راجل كبير مستنيني.
كان فؤاد.
وقف أول ما شافني.
وقال
أبوكي كان هيفرح بيكي.
ابتسمت.
إنت عرفته كويس؟
أكتر مما تتخيلي.
ليه ما ظهرتش في حياتي قبل كده؟
سكت.
أبوكي طلب مني ما أظهرش إلا لو احتجتي.
وكنت محتاجة؟
جدًا.
قعدنا نتكلم وقت طويل.
وعرفت منه إن والدي قبل وفاته ساعد ناس كتير، وكان دايمًا بيقول
الطبيب الحقيقي مش هو اللي يجري على أي حالة من غير تفكير... الطبيب الحقيقي هو اللي يعرف إمتى يتدخل، وإمتى يطلب مساعدة، وإمتى يقول لأ.
الكلمة دي فضلت في دماغي.
وفي نفس اليوم...
جالي اتصال من ياسين.
دكتورة ليلى؟
أيوه.
القضية اتحولت للنيابة.
كويس.
وفيه حاجة أخيرة.
إيه؟
شريف طلب يقابلك.
سكت.
عايز يقول إيه؟
بيقول إنه عايز يعتذر.
ضحكت.
مش مهتمة.
متوقعتش إنك هتوافقي.
هو كان عايز يرميني في السجن عشان فلوس.
صح.
وبعدين؟
قال حاجة غريبة.
إيه؟
قال إن أكتر حاجة ندمان عليها مش إنه فشل.
أمال إيه؟
إنه اختارك إنتِ بالذات.
قفلت المكالمة.
وقعدت قدام مكتبي.
افتكرت لحظة الطائرة.
افتكرت الناس وهي بتبص لي.
افتكرت شريف وهو راكع قدامي.
افتكرت كل الاتهامات.
وفهمت حاجة مهمة جدًا.
أحيانًا...
أخطر فخ ممكن يتحط قدام الإنسان مش هو الخوف.
لكن الرحمة.
لأن المحتال الذكي ما بيحاولش يخوفك.
هو بيخليك تحس إنك إنسان سيئ لو ما عملتش اللي هو عايزه.
وكل ما زاد ضغط الناس عليك...
كل ما قربت من الوقوع.
لكن اللي أنقذني يومها كان شيء واحد
إني ما سمحتش للذعر ولا كلام الناس ياخدوا القرار مكاني.
بعد شهر...
صدر الحكم.
واتحكم على شريف وشركائه بالسجن، واتقفلت الشبكة اللي كانت بتبتز ناس كتير بنفس الطريقة.
أما المرأة اللي مثلت دور الزوجة...
فقدمت اعتراف كامل، وساعدت الشرطة في كشف باقي أفراد العصابة.
وفي آخر يوم للقضية...
خرجت من المحكمة.
لقيت ياسين واقف بعيد.
قال
مبروك.
قلت
على إيه؟
إنك خرجتي من القصة دي أقوى مما دخلتيها.
ضحكت.
أنا كنت فاكرة إني خرجت منها مرعوبة.
قال
الخوف مش معناه ضعف.
ثم أضاف
ساعات الخوف هو اللي بيخلي الواحد ياخد القرار الصح.
بصيت له وقلت
عارف؟ أنا لسه مش مصدقة إن كل ده بدأ برسالة على الموبايل.
ابتسم.
وأنا لسه مش مصدق إنك ما فتحتيش الباب للفخ.
كنت خايفة.
ومع ذلك ما دخلتيش.
سكتنا شوية.
ثم قلت
ياسين...
نعم؟
الرسالة الأولى... اللي قالت إن الجنين مات من ثلاثة أيام.
أيوه؟
فؤاد قال إنه هو اللي بعتها.
صح.
بس إزاي عرف؟
ياسين بص لي للحظة.
لأنه كان عنده شخص داخل المجموعة.
ابتسمت.
يعني أخيرًا عرفنا الحقيقة؟
هز رأسه.
تقريبًا.
قلت
تقريبًا؟
ضحك.
في شغلنا مفيش أخيرًا بسهولة.
مشيت وأنا بضحك.
لكن قبل ما أركب عربيتي...
بصيت للموبايل.
مافيش رسائل.
ولأول مرة من أيام...
الموبايل كان ساكت.
حطيته في شنطتي.
ورفعت عيني للسما.
وقلت لنفسي
يمكن أنا يومها ما أنقذتش ست حامل...
ثم ابتسمت.
بس يمكن أنقذت نفسي من مصيبة كانت ممكن تدمر حياتي كلها.
ومن يومها...
كل ما حد يسألني
ليه ما ساعدتيش الست في الطيارة؟
برد عليه بنفس الجملة
أنا ساعدتها... بس مش بالطريقة اللي كانت العصابة مستنياها.
لأن أحيانًا...
أشجع قرار ممكن تاخده في حياتك...
هو إنك ما تعملش حاجة.
مش خوفًا...
لكن لأنك عرفت إن فيه حد بيحاول يستغل قلبك الطيب ضدك.
والأهم...
إنك لما تكون طبيب أو إنسان مسؤول، مش لازم تثبت إنك بطل قدام الناس.
البطولة الحقيقية...
إنك تعرف إمتى تتحرك.
وإمتى تستنى.
وإمتى تقول
لأ... مش هقع في الفخ.
ومن يومها، بقيت كل مرة أسمع فيها صوت مذيع الطائرة يقول
هل يوجد طبيب على متن الطائرة؟
أبص حواليّ الأول...
وأتأكد إن الموقف حقيقي.
وبعدين أتحرك.
لأنني تعلمت بالطريقة الصعبة...
إن مش كل شخص بيصرخ أنقذني بيكون محتاج إنقاذ.
وأحيانًا...
الشخص اللي بيصرخ بأعلى صوته...
هو نفسه اللي حاططلك الفخ.
تمت بحمد الله.

 

تم نسخ الرابط