بت جدعه

لمحة نيوز

عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
الجزء الثاني والأخير
في مكتبه الفخم الشاهق بالطابق الأربعين في قلب القاهرة الجديدة، كان آدم منصور يقف أمام النافذة الزجاجية المطلة على المدينة. لم تكن المليارات التي يملكها هي ما يشغل باله في تلك اللحظة، بل تلك النظرة الحادة والمستقلة التي رأاها في عيني سلمى حمدي داخل عيادة المول. فتاة رفضت المساعدة المالية بعزة نفس نادرة، وفي النهاية تدفع ثمن شهامتها من كرامتها ورزقها.
التفت آدم إلى مدير مكتبه وسكرتيره الخاص، أحمد، الذي كان يقف بوجوم ملفاً أسود.
كل حاجة جاهزة يا آدم بيه؟ سأل أحمد بنبرة حذرة.
رد آدم بصوت كالجبل، هادئ ولكنه يحمل من القوة ما يكفي لزلزلة المكان
التسجيلات كاملة مع الميديا تيم؟
أيوه يا فندم. الكاميرات الخارجية والداخلية للمول وثّقت كل ثانية. من أول ما لارا الشناوي وقعت شنطتها بنفسها بسبب عصبيتها، لحد ما الحاجة سعاد انحنت تجيبها، والقلم اللي نزل على وش أمي، وتدخل سلمى في اللحظة المناسبة بالظبط. الكاميرات جايبة كمان مدير المول، مدحت صبري، وهو بيمسح الفيديوهات الأصلية ويدي فلاشة مقتطعة لأحد رجال لارا الشناوي.
ابتسم آدم ابتسامة باردة
جميل جداً. مدحت صبري فاكر إن المول ده ملك لارا والشناوي جروب عشان بياخد منهم نسبة محترمة من المحلات. ما يعرفش إن مجموعتنا أعلنت الاستحواذ النهائي على شركة إدارة المول من أسبوع، وإن عقود ملكيتي المباشرة للقصور والمولات دي بتتفعل النهاردة الساعة تسعة الصبح.
نظر آدم إلى ساعته الذهبية
الساعة تسعة إلا خمسة. اطلبلي اجتماع عاجل لكل مجلس إدارة المول، واطلب مدحت صبري بالاسم... واطلب كريم، صاحب الجيم اللي سلمى كانت شغال فيه.
أضاف آدم بعد لحظة تفكير
وسلّي نفسك بطلب الشناوي الكبير بنفسه... طارق الشناوي، والد لارا. قوله آدم منصور يعزمك على فنجان قهوة في المول بتاعنا عشان ننهي سوء الفهم قبل ما يوصل للنيابة العامة بتهمة التزوير والتعدي وتقديم بلاغات كاذبة.
في هذه الأثناء، كانت سلمى تجلس في بيتها البسيط بباب الشعرية. كانت ترتدي ترينج رياضي أزرق داكن، وتجلس أمام كوب الشاي الذي برد تماماً. تلفونها لم يتوقف عن الرنين؛ رسائل التهديد والشتائم من رواد التواصل الاجتماعي، واتصالات من أصدقاء الجيم الذين تخلوا عنها في لحظة.
دخلت والدتها، الست خديجة، وهي تحمل صينية فيها طبق فول ساخن وخبز بلدي طازج.
يا بنتي كلي لك لقمة. بقالك يومين ما دخلش بطنك أكل. والله ربنا مش بيسيب حق حد، وإنتِ ما عملتيش غير الصح.
رفعت سلمى رأسها، وعيناها محاطتان بهالات سوداء من أثر السهر، لكن نبرتها كانت ثابته
أنا مش زعلانة إني دافعت عن الست العجوزة يا أمي. لو الزمن اتعاد ألف مرة هعمل نفس اللي عملته. أنا بس زعلانة على نفاق الناس... كريم صاحب الجيم كان عارف إني عمري ما أعتدي على حد، لكن عشان خايف على اسم الجيم وسمعته، رماني في أول اختبار. ومدحت صبري باع ضميره عشان يرضي بنت رجل الأعمال.
قبل أن ترد الأم، رن هاتف سلمى. كان الرقم غريباً، لكنه ليس رقماً عادياً، بل رقم أرضي مخصص للشركات الكبرى.
ردت سلمى بنبرة جافة
ألو؟
أتاها صوت نسائي رقيق ومهذب
كابتن سلمى حمدي؟ معاكي السكرتارية الخاصة بالمكتب التنفيذي للمهندس آدم منصور، رئيس مجلس إدارة مجموعة منصور القابضة. الأستاذ آدم ينتظر حضرتك حالياً في المبنى الإداري بالمول التجاري بالقاهرة الجديدة.
قطبت سلمى جبينها
آدم؟ مين آدم؟ آه... ابن الحاجة سعاد؟ قوليله شكراً، أنا مش محتاجة شفقته ولا محتاجة شغل منه، الموضوع مقفول بالنسبة لي.
تدخل صوت قاطع ودافئ استلم السماعة فوراً، كان صوت آدم بنفسه
كابتن سلمى... أنا مش بعرض عليكي شغل ولا شفقات. أنا بطلب منك تيجي تاخدي حقك كرامةً ومقاماً قدام الناس اللي ظلموكي. أمي الحاجة سعاد حالفة ما تأكلش حبة دواء غير لما تشوفك مرفوعة الراس في المكان اللي اتهنتِ فيه. ولو ما جيتيش، هي اللي هتجيلك لحد باب بيتك... وإنتِ عارفة إن صحتها مش مستحملة المشوار.
سكتت سلمى لحظة، تذكرت طيبة الحاجة سعاد وملامحها المتعبة. تنهدت وقالت
نص ساعة وأكون عندك يا أستاذ آدم. بس عشان خاطر الحاجة سعاد... مش عشان أي حد تاني.
في قاعة الاجتماعات الكبرى بالمول، كان الجو مشحوناً بالتوتر الكثيف.
كان يجلس على رأس الطاولة مدحت صبري، مدير المول، وهو يتصبب عرقتً، بجانبه كريم، صاحب الجيم، الذي كان يفرك يديه في توتر واضح. على الجانب الآخر، كان طارق الشناوي، رجل الأعمال المشهور، يجلس بغرور وهو يضع رجلاً على رجل، وإلى جواره ابنته لارا، التي كانت تنظر في هاتفها بلامبالاة وتضع مساحيق التجميل.
قال طارق الشناوي بنبرة متكبرة لمدحت صبري
هو في إيه يا مدحت؟ مين آدم منصور ده اللي يجمعنا كلنا هنا في الصباح الباكر؟ هو فاكر عشان اشترى أسهم المول يبقى يقدر يتنطط علينا؟ أنا شركتي بتضخ ملايين هنا!
رد مدحت بصوت مرتعش
يا طارق بيه... آدم منصور مش بس اشترى أسهم، ده اشترى المجموعة المالكة للمول بالكامل أول الأسبوع ده! يعني هو المالك الفعلي والوحيد للمكان من النهاردة!
قبل أن يستوعب طارق الشناوي الكلمات، فُتح الباب الضخم.
دخل آدم منصور بخطوات ثقيلة وحازمة، يرتدي بدلة كحلية متناسقة، وتتبعه الحاجة سعاد وهي ترتدي عباءة مصرية راقية وطرحة بيضاء، وتبدو عليها الهيبة والوقار. وبجانبهما دخلت سلمى حمدي، بملابسها الرياضية البسيطة والراードة، ووجهها الخالي من أي مساحيق، لكن عينيها كانتا تنطقان بالقوة والأنفة.
فوجئت لارا برؤية سلمى، وقالت بصوت عالٍ ومستفز
إيه ده؟ البنت دي بتعمل إيه هنا؟ يا مدحت إنت مش بلغت الأمن إنها ممنوعة من دخول المول؟ دي بلطجية وأنا رفعت عليها قضية خلاص!
لم يلتفت آدم إليها، بل مشى ببطء ووقف عند رأس الطاولة. وضع كفيه على الخشب الصقيل وبص لرجل الأعمال طارق الشناوي، ثم لمدحت، وأخيراً لكريم.
قال آدم بنبرة هادئة لكنها أشد خطورة من الصراخ
البيت اللي أنتم واقفين فيه ده... ملكي. والأرض دي ملكي. والناس اللي اتظلمت هنا، في حمايتي.
وقف طارق الشناوي بغضب
أستاذ آدم! أظن في أصول للتعامل! بنتي لارا اتعرضت للاعتداء من المدربة دي، والڤيديو مالك السوشيال ميديا ومثبت كل حاجة!
ابتسم آدم ابتسامة ساخرة، وأشار لأحمد.
في الحظة نفسها، أُطفئت أضواء القاعة الشديدة، واشتغلت شاشة العرض الكبيرة Projector الموجودة على الجدار الرئيسي.
ظهر على الشاشة الڤيديو المقتطع أولاً، ثم انقطعت الصورة وظهرت كلمة التسجيلات الأصلية كاميرات المراقبة عالية الدقة HD.
بدأ العرض من البداية
ظهرت لارا وهي تسير بغرور وتتحدث في الهاتف، ثم تسقط شنطتها الذهبية على الأرض. ظهرت الحاجة سعاد وهي تنحني ببطء شديد وتلتقط الشنطة لتقدمها للارا بكل طيبة. ظهرت لارا وهي تصرخ في وجهها، ثم ترتفع يدها وتصفع الست العجوز بقوة على وجهها!
اتسعت عيون طارق الشناوي بصدمة. تحول وجه لارا إلى شاحب كالأموات.
استمر الفيديو
ظهرت سلمى وهي تتدخل، تمسك يد لارا بمنتهى الاحترافية والهدوء لمنع الصفعة الثانية، وتلم متعلقات الحاجة سعاد من الأرض. ثم ظهر مدحت صبري وهو يأتي، ويتجاهل الست العجوز المغشي عليها، ويتودد للارا، ثم يُظهر مشهد مسرب من غرفة التحكم لمدحت صبري وهو يقوم بنسخ مقطع معين من الفيديو ومسح الباقي وتسليمه لرجل

تم نسخ الرابط