حماتى واخت جوزى
أما ياسمين، فكانت واقفة زي الصنم في وسط المطبخ، ماسكة الفوطة في إيدها وصوابعها مبتعصرها من كتر الغل. دموعها كانت محبوسة في عينيها بصعوبة، حاسة بإهانة ووجع ما يوصفش. الأكل اللي قضت فيه النهار كله، الوقفة اللي هدّت حيلها، وطقم الصيني اللي اتغسل بدموع فرحتها علشان تحتفل بأبوها وأمها... كل ده اتداس عليه برجالين حماتها وببرود أخت جوزها، وتحت نظر جوزها اللي قاعد بياكل بدم بارد ولا كأن في حاجة بتحصل!
نوال كتمت ضحكتها وهي بتتمطع على الكرسي، ومسحت إيدها في المفرش الدانتيل بكل قلة ذوق، وقالت وهي بتبص لياسمين من فوق لتحت:
ـ ما تقومي يا ياسمين يا حبيبتي ولمي الصواني دي بدل ما هي كركبة كده... ولا استني، سيبيهم يشفوها عشان يعرفوا إننا أكلنا بالهنا والشفا، مش ذنبنا إنهم ما بيحترموش المواعيد!
دينا قامت هي كمان، راحت للمراية اللي في الصالة، وظبطت طرحتها وقالت وهي بتضحك بكتفها:
ـ والله الأكل كان عايز شوية ملح يا ياسمين، بس يلا... جوعنا بقا هنعمل إيه؟ وبعدين يا حبيبتي ما تزعليش نفسك، كفاية إن كريم أكل وشبع، ولا هو أهلك أهم من جوزك؟
كريم كان قاعد بيسلك سنانه بعود خشب، وبص لياسمين بنظرة فيها استعطاف مشوب بقلة حيلة وقال:
ـ خلاص بقا يا ياسمين، حصل خير... قومي اعمليلنا كوبايتين شاي نروق بيهم، وعقبال ما أهلك يوصلوا تكوني عملتي لهم أي حاجة سريعة... بيضتين مسلوقين ولا جبنة بطماطم، أهلك مش غرب يعني وهيقدروا الظرف!
في اللحظة دي، ياسمين حست إن في حاجة جواها انكسرت للابد. الكلام نزل على قلبها زي المية المغلية. "بيض وجبنة بطماطم؟ في عيد جوازهم الـ ٣٥؟!".. بصت لكريم بجمود، وكأنها بتشوفه لأول مرة. الراجل اللي اختارته وحارب الدنيا علشانه، بيطلب منها تقدم لأبوها الراجل الكباره وأمها Aziz المريضة أكل نواشف بعد ما حماتها أكلت صواني اللحمة والمحشي!
ياسمين ما اتكلمتش.. ولا كلمة.
مسحت دموعها بسرعة، ودخلت المطبخ. نوال ودينا تبادلوا النظرات وابتسموا بانتصار، فاكرين إنها استسلمت ودخلت تعمل الشاي وتجهز الجبنة.
لكن ياسمين كانت بتفكر في حاجة تانية خالص. بصت للفرن، وبصت للثلاجة، وعقلها بدأ يشتغل بشرارة غضب عارم. افتكرت إن عندها في الفريزر عزومة تانية كانت مجهزاه للأسبوع الجاي: جوز حمام بلدي متظبط، وصينية جلاش باللحمة المفرومة جاهزة على الخبيز، وشوربة كوارع مركزة كانت شايلاها.
وفي أقل من خمس دقايق، وبسرعة ودقة لم تكن تتوقعها من نفسها، شغلت البوتجاز كله.
العين الأولى: صينية الجلاش دخلت الفرن تحت نار عالية.
العين الثانية: الحمام نزل في الزيت المغلي يلمع ويتطشطش وريحته الفحفاحة توجع القلب.
العين الثالثة: حلة فيها سمنة بلدي وثوم وكزبرة.. عملت طشة كوارع وفتة بالخل والثوم تخرم الدماغ.
في الصالة، نوال كانت قاعدة بتتفرج على التلفزيون ومادّة رجليها، وفجأة... ريحة السمنة البلدي وطشة الثوم والحمام المقلي بدأت تخرج من المطبخ وتغرق الشقة كلها!
دينا شفطت الريحة بقوة وقالت باستغراب:
ـ إيه الريحة دي يا ماما؟! هو في أكل بيتقلى تاني؟
نوال قامت بسرعة ودخلت المطبخ، ولقت ياسمين واقفة بكل شموخ، ماسكة المساكة وبتطلع الحمام المحمر الذهبي من الزيت، وصينية الجلاش المورقة بتطلع دخانها وريحتها تدوّخ، وحلة الفتة الطازة بتهش وتنش.
نوال شهقت بصدمة:
ـ إيه ده يا ياسمين؟! الأكل ده جه منين؟! إنتِ كنتِ مخبية الأكل ده عننا؟!
ياسمين بصت لها بابتسامة باردة جداً، ابتسامة ثقة وشموخ، وقالت بلهجة هادية زي السكينة:
ـ مخبية؟ تؤ يا طنط... ده أكل أهلي. الأكل الأولاني كان للتسالي والضيوف اللي بيجوا من غير معاد. إنما ده العشا الحقيقي لأبويا وأمي اللي شايليني وشايلين جوزي على رأسهم.
كريم دخل المطبخ وهو بيشم الريحة، وعينيه وسعت من المفاجأة: