لما قررت اروح لدكتوره
بدأت الصورة تكبر على شاشة المراقبة، والكوباية الفضة بتميل، لحد ما ظهرت حاجة خلت دم الدكتورة دينا يهرب من وشها. الكوباية ما كانش فيها أعشاب دافية زي ما آية كانت فاكرة... كان جواها سائل اسود ثقيل، طالع منه بخار خفيف، ورواسب رمادية راكدة في القاع شبه الرماد.
حماتي حكمت كانت باصة للكاميرا بثبات يرعب، وابتسامتها المترتبة زي ما هي، كأنها عارفة إن فيه حد باصص عليها من ورا الشاشة.
أحمد رجع يخبط على الباب بكل قوته، صوت رزعه لإزاز العيادة كان بيرن في الممر زي الضرب بالرصاص.
يا آية! أنا عارف إنك جوة! افتحي الباب ده حالاً بدال ما أهد العيادة فوق دماغكم!
الممرضة نورا كانت واقفة بتترعش، مسكت دراع الدكتورة دينا وقالت بصوت مهزوز
دكتورة دينا... ده دكتور أحمد محمود! ده ليه نفوذ وعلاقات في النقابة، وممكن يدخلنا في مشاكل كبيرة لو ما فتحناش.. هنعمل إيه؟
الدكتورة دينا بصت لنورا بنظرة حازمة وقاطعة، وهزت راسها بالنفي
الباب ده مش هيتفتح يا نورا. اطلبي أمن المستشفى فوراً، وبلغي مكتب شرطة المستشفى إن فيه محاولة اقتحام لعيادة نسا في الدور الثالث.
آية كانت قاعدة على السرير، إيديها بتترعش ومحوطة بطنها بكل قوتها، الدموع نازلة من عينيها من غير صوت. كان الجنين جوة بطني بيتحرك بحركة سريعة ومضطربة، كأنه حاسس برعب أمه.
صوت آية طلع مكسور ومحششر
دكتورة... هو بيعمل فيا كده ليه؟ أنا عملت له إيه؟ ده جوزي اللي كنت فاكرة إنه بيحرسني من الدنيا كلها!
قربت دينا منها، مسكت إيديها الباردة بين إيديها، وبصت في عينيها بثبات
يا آية، اسمعيني كويس وركزي معايا في كل كلمة. جوزك دكتور، وعارف كويس هو بيعمل إيه. التحليل المبدئي وصورة الأشعة بتقول إن المادة اللي في جسمك دي مش مجرد أعشاب... دي سموم ثقيلة، مادة الزئبق مع تركيبات ثانية بتتاخد بنسب متناسبة ومحسوبة جداً بالمللي. المادة دي الهدف منها مش إجهاض الطفل بس... دي بتعمل ضمور تدريجي في المشيمة، وبينتج عنها تشوه كامل في أجهزة الجنين الحيوية، وفي نفس الوقت بتسببهملك كأنه توقف طبيعي في نبض الجنين وفاة داخل الرحم! هو ما كانش عايز يقتلك، هو كان بيموت ابنك بالبطيء وهو جوة بطنك، عشان يضطرك تعملي عملية تفريغ عنده في عيادته الخاصة!
آية صرخت صرخة مكتومة، حطت إيديها على بقها وهي مش مصدقة اللي بتسمعه
يموت ابنه؟! ابنه هو؟! ليه؟ ده كان بيعيط لما عرف إنها بنت! كان بيطير من الفرحة!
الدكتورة دينا اتنهدت بحسرة وقالت
مش ابنك لوحدك اللي مات بالطريقة دي يا آية. من سنتين، جالي حالة شبهك بالضبط، ست كانت حامل في الشهر السادس، وجالها جفاف مفاجئ ووفاة للجنين جوة الرحم بدون أي سبب طبي معروف.. الست دي كانت المريضة السابقة للعيادة اللي كان أحمد شغال فيها قبل ما يفتح عيادته. بس وقتها ما حدش شك فيه، لأن الحالة اتسجلت توقف نبض طبيعي. أحمد بيعمل تجارب، أو عنده اضطراب نفسي، أو فيه سر ورا خلفة البنات دي بالذات لازم نفهمه.. لكن اللي أقدر أأكدهولك دلوقتي الشريحة اللي لقيتها في السونار... دي مش مادة طبيعية.
آية بصت لها بذهول
شريحة؟! شريحة إيه يا دكتورة؟
دينا قربت جهاز السونار تاني، وشغلت الشاشة على السرية، شاورت بإصبعها على نقطة بيضا صغيرة جداً، موجودة في الأنسجة المحيطة بجدار الرحم
شريحة تتبع ومراقبة هرمونية متناهية الصغر. مجهزة بجهاز بث واطي التردد. دي زرعة طبية نادرة جداً بتستخدم في الأبحاث والتجارب الدوائية المقفولة، بتفرز مواد كيميائية بتعليمات لاسلكية أو بتتحل بالتفاعل مع الحقن اللي كان بيدهالك! كل حقنة كان بيدهالك في البيت، ما كانتش فيتامينات... كانت المادة المحفزة اللي بتخلي الشريحة تفرز كمية معينة من المادة السامة جوة رحِمِك!
الرعب شل آية تماماً. الدنيا دارت بيها، كل الشريط مر قدام عينيها في ثواني
ليالي طويلة كان يدخل عليها أحمد بالسرنجة، يبتسم ابتسامته الهادية الدفية، ويقولها استحملي الشكة دي عشان خاطري وخاطر بنتنا.. أنا بحميكي وبحميها.
وأمه حكمت، اللي كانت بتدخل كل صباح، بالكوباية الفضة، تقعد جنبها على السرير، تمسد على شعرها وتحط الكوباية في إيديها وتقولها اشربي يا حبيبتي.. المشروب ده من أعشاب العيلة، بيهدي الأعصاب وبيخلي البت تطلع وشها منور زي القمر.
آية صرخت بصوت هز الأوضة
كانوا بيسمموني! كانوا بيقتلوا بنتي يوم بيوم وأنا ببتسملهم وبشكرهم!
في اللحظة دي، صوت خبط الباب اتغير. أحمد ما بقاش يخبط بأيده، كان بيضرب بجسمه كله على الباب الإزاز المصفح.
افتحي يا دينا! أنا عارف إنك جوة! افتحي بدال ما ابلغ عنك إنك محتجزة مراتي بدون وجه حق! آية مدامتي ومسؤولة مني، وما لكيش أي حق تلمسيها ولا تعمليلها أي فحص!
صوت حماتها حكمت طلع من برة، هادي، وثقيل، ويرعب أكتر من صريخ أحمد
يا دكتورة دينا... إحنا ناس بتوع ربنا وحافظين أصول الطب. البنت دي تعبانة نفسياً وعندها هلاوس حمل، والدواء اللي بتخده ده علاج مصرح بيه من دكتورها المتابع اللي هو جوزها. بلاش تدخلي نفسك في مشاكل عائلية مالكيش فيها.. هاتي البنت ونسيبك في حالك.
الدكتورة دينا ما اترددتش. مسكت سماعة التليفون الأرضي وتكلمت بصوت عالي وواضح
يا أمن المستشفى، ويا ضابط النبطشية.. دكتور أحمد محمود ووالدته بيحاولوا يقتحموا عيادتي بالقوة، ومعايا حالة تعذيب ومحاولة إجهاض عمدي وتسميم