علبة دقيق بقلم مشيرة محمد

لمحة نيوز

روايات مشيره محمد 
وقف مدير الفرعراجل خمسيني شعره أبيض ولابس بدلة كحلية متفصلة بالمليقدام مكتبه وهو بيبصلي بنظرة فيها مزيج من الشفقة والدهشة. شاورلي بإيده أدخل وقفل الباب وراه بالراحة، وطلب من الموظفة تسيبنا لوحدنا.
اتفضلي استريحي يا مدام هدى.. البقاء لله في الحجة فاطمة.
حطيت علبة الدقيق الصاج على الترابيزة الإزجاج اللي في وسط المكتب. منظر العلبة بطلاءها المتقشر وعفار الدقيق اللطخ البنطلون الأسود كان نشاز وسط فخامة المكتب، بس الراجل ما رمش له جفن. قعد قدامي ومسك ملف أسود من على مكتبه.
أنا أستاذ سامح، مدير الفرع. والدتك الله يرحمها كانت زبونة عندنا من أكتر من عشرين سنة. بس اللي في العلبة ده.. ومش بس العلبة، ده الجزء الظاهر بس من الجبل.
قلبي كان بيبض بسرعة ضربات طبلة. مديت إيدي على شنطتي وطلعت الجواب، وسحبت الورقة الأخيرة المتنية اللي كانت مقفولة بسوليتيب أصفر ناشف. قطعت اللزق بأصوابعي المترعشة وفردتها.
خط أمي في الصفحة الأخيرة كان أهدى، كأنها كتبتها وهي قاعدة في هدوء تام بعد ما حسمت أمرها.
هدى يا بنتي.. لو أنتي قرأتي الصفحة دي في البنك زي ما طلبت منك، يبقى أنا فارقت الدنيا، وأنتي عرفتي نص الحقيقة. فتحي جوز أمك، وشريف أخوكي.. الأثنين اشتركوا في السرقة. فتحي لما قبض التعويض بتاع حادثتكوكان المبلغ وقتها سنة 1998 حوالي 150 ألف جنيه، مبلغ يشتري شقتين في أحسن مكاناتفق مع شريف. شريف كان مديون لتاجر قماش وخايف يدخل السجن. فتحي أدى لشريف 50 ألف عشان يسدد دينه، وأخد هو الباقي واشترى بيه أرض باسمه في بلد أهله، وضحكوا عليكي وعليّا وقالوا إن المصاريف والمستشفيات كلت الفلوس.
أنا عرفت السر ده بعد الحادثة بسنتين بالصدفة، لما لقيت أوراق الأرض في جيب جاكيت فتحي. يومها واجهته، وواجهت شريف. شريف اعترف وهو بيبكي وقال إن فتحي هو اللي إداه الفلوس وشرطه إنه يسكت وما يقولكيش. لما هددت فتحي إني هبلغ الشرطة، هددني إنه يرمي أخوكي في السجن ببالشيكات القديمة اللي كان سحبهاله باسمه عشان يغطوا على السرقة.
سكت يا هدى.. سكت عشان خفت على أخوكي من السجن. بس من اليوم ده، فتحي ما بقاش جوزي إلا في الأوراق. وحلفت إني أرجعلك حقك بالقرش، حتى لو بعد موتي. الفلوس اللي في علبة الدقيق دي كانت مصروف البيت والجمعيات اللي كنت بشترك فيها وتقشيط القرش على القرش طول 20 سنة، أقسم بالله ما ذقت منها لقمة، كل جنيه كان يدخل البيت كنت أقسمه نصين.. نص للخزين والبيت، ونص لعلبة الدقيق عشان يرجعلك حقك بالدولار والجنيه عشان قيمته ما تضيعش.
بس الفلوس دي مش كل حقك.. الأستاذ سامح عنده باقي الأمانة.
نزلت الورقة على ركبتي، ودموعي نازلة في صمت. صدري كان بيترفع وينزل بصعوبة. أستاذ سامح فتح الملف الأسود وحط قدامي ورقتين رسميتين مختومين بختم النسر.
الحجة فاطمة الله يرحمها، من ثمان سنين، لما طردت فتحي من البيت وطلبت الطلاق، أجبرته يكتب عقد بيع وشراء ابتدائي للقطعة الأرض اللي اشتراها بفلوس تعويضك، وكتبتها باسمك أنتي. والشهود على العقد كانوا شريف أخوكي ورجل قانون. مش بس كده.. الحجة حطت العقد في الخزنة الحديدية عندنا في البنك، ومعاه حساب توفير مقفول باسمك، كانت بتحول فيه كل شهر المبلغ اللي بتوفره من إيجار المحل الصغير اللي ورثته عن أباها.
بصيت لمدير البنك وأنا مش مصدقة يعني.. يعني الفلوس اللي في العلبة دي مش كل حاجة؟
ابتسم الأستاذ سامح بأسى وقال العلبة فيها 18940 دولار كاش.. دا غير الحساب اللي هنا فيه حوالي 220 ألف جنيه بالفوائد، وقطعة الأرض دي حالياً دخلت كردون مباني وقيمتها تسوى مش أقل من مليارين جنيه.
بقيت قاعدة مش دريانة بالدنيا. تسعة عشر سنة وأنا فاكرة إن حظي قليل، إن الدنيا ظلمتني في الحادثة وفي فلوسي، إن أمي كانت ضعيفة وساكتة، وإن جوز أمي أكل حقي وأخوكي كان بريء.. طلعت الحقيقة أشد قسوة أمي ما كانتش ضعيفة، أمي كانت شايلة جبل فوق ضهرها، بتحارب في السكوت عشان تحميني من أخويا، وتحمي أخويا من السجن، وفي نفس الوقت بترجعلي حقي قرش قرش!
يا مدام هدى؟ مدير البنك ناداني بالراحة.
نعم يا أستاذ سامح..
الورق جاهز للتوقيع عشان نقل الملكية والتصرف في الحساب. بس السؤال دلوقتي.. هل هتسيب الفلوس الكاش تدخل الحساب، ولا هتاخديها معاكي؟
بصيت لعلبة الدقيق. العلبة اللي كنت بمد إيدي ليها وأنا عندي 12 سنة وأمي تضربني.. العلبة اللي كانت شايلة سر تحول حياتنا.
هسيب الفلوس في الحساب، بس عايزة العلبة الصاج

تم نسخ الرابط