علبة دقيق بقلم مشيرة محمد
فاضية.. هاخد العلبة معايا.
رجعت الشقة الساعة 7 بالليل. الشمس كانت غربت والشارع هادي. فتحت باب الشقة بالراحة. الريحة هي هي.. ريحة القرفة والتراب وملمع الخشب.
شريف كان قاعد في الصالة، وحواليه كراتين فاضية، ماسك سيكارة وإيده بتمشي في شعره بتوتر. لما سمع صوت الباب، وقف بسرعة وبصلي بلهفة وعينيه رايحة جاية بين وشي والشنطة اللي في إيدي.
كنتي فين يا هدى؟ وسايبة الشقة مفتوحة والكراتين كده؟ وبعدين.. فين العلبة؟
مشيت لحد الترابيزة في نص الصالة، وحطيت علبة الدقيق الفاضية في النص. صوت خبطتها على الخشب رن في الصالة الفاضية.
شريف بص للعلبة وبعدين بصلي إيه ده؟ هي فاضية ليه؟ الفلوس فين؟
قعدت على الكرسي الخشب، وبصيتله في عينيه بشكل مباشر، عينين ما عادش فيها خوف ولا طيبة من بتاعة زمان.
الفلوس راحت صاحبها يا شريف.
شريف اتعصب، وخطى خطوتين ناحيتي وهو بيزعق يعني إيه راحت صاحبها؟! دي فلوس أمي! يعني فلوسنا إحنا الاتنين! أنتي أخدتي الفلوس وهربتي بيها للبنك؟ أنتي جنيتي؟ أنا عليا أقساط ومكسور وفي أزمة، وأنتي رايحة تحطي الفلوس في البنك باسمك؟
قاطعته بصوت هادي جداً، بس كان أتقل من الصخر أنا ما حطيتهاش باسمي عشان طمع يا شريف.. أنا أخدت حقي اللي أنتي وفتحي سرقتوه مني وأنا عندي 17 سنة.
شريف وشه اتقلب ألوان. الشفايف المفتوحة للشتيمة اتجمدت، وعينيه اتوسعت برعب. رجع خطوة لورا وكأن حد ضربه على وشه.
أنتي.. أنتي بتقولي إيه؟
طلعت جواب أمي من الشنطة، وحطيته على الترابيزة جنب العلبة الفاضية.
أمي سيبتلي الجواب ده. سيبتلي الحقيقة كاملة بفيض من خط إيدها. عرفت ال 50 ألف بتوع التاجر اللي سددتهم من دم رجلي المكسورة. عرفت إن فتحي اللي كنت بتقول عليه جوز أمنا المحترم اشترى بأكلي وحقي أرض في البلد. وعرفت كمان إنك كنت عارف كل حاجة، وجاي النهاردة تصرخ وعايز تفيض البيت في 48 ساعة عشان خايف أفتح العلبة وأقرأ الجواب!
شريف قعد على أقرب كرسي وكأن رجليه ما بقتش شايلاه. حط إيديه على وشه، وبدأ جسمه يترعش.
هدى.. أنتي مش فاهمة.. أنا كنت صغير، وفتحي ضحك عليا.. قال لي لو ما أخدتش الفلوس هيدخلني السجن بالشيكات.. أنا كنت خايف..
كنت خايف على نفسك يا شريف! صرخت فيه وأنا بسبت طولي وبقف قدامه. كنت خايف على نفسك وسيبت أختك الصغيرة المكسورة تمشي بأعرج وسكت! وسيبت أمك تشيل الهم وتقلل من أكلها ومصروفها طول 20 سنة عشان تجمع القرش على القرش وتخبيه في علبة دقيق عشان تسد دينك القذر ده من غير ما تتفضح!
شريف رفع وشه، ودموعه كانت نازلة أمي.. أمي هي اللي قالتلك كده؟
أمي ما قالتليش كده بس.. أمي خلت فتحي يكتبلي الأرض اللي اشتراها بفلوسي باسمي، وأنت بنفسك ماضي شاهد على العقد يا شريف! فاكر ولا نسيت؟ فاكر لما أجبرتك تمضي عشان ما تروحش التخشيبة؟
سكت شريف تماماً. ما بقاش عنده حرف يدافع بيه عن نفسه. السر اللي استخبى 20 سنة انفرش على الترابيزة بين علبة دقيق فاضية وجواب اصفر من الزمن.
قربت من الترابيزة، ومسكت علبة الدقيق الصاج.
أمي عاشت طول عمرها محمية بالعلبة دي.. كانت بتدافع عنها كأنها روحها، عشان كانت عارفة إن جواها كرامتي وحقي اللي ضاع. أنتي كنت فاكر إن فيها فلوس جمعية منسية؟ دي كانت دم أمك وشقاها، وحرمانه النفسها من كل حاجة حلوة عشان تغسل وساختك أنت وجوزها.
شريف بص للأرض وصوته طلع مخنوق وهتعملي إيه دلوقتي؟ هتبلغي عني؟ هتاخدي الأرض وتسيبيني للديون؟
بصيتله بقرف وحزن.. حزن على الأخ اللي كنت فاكراه ضهري وسندي بعد موت أمي.
أنا مش هبلغ عنك يا شريف.. مش عشان خاطرك، عشان خاطر أمي اللي ماتت وهي بتحاول تحميك حتى وأنت حرامي. الأرض دي هتباع، وهتاخد منها النسبة اللي أمي حددتها في الجواب عشان تسدد ديونك وتغور من حياتي.. بس بشرط.
رفع رأسه بلهفة شرط إيه؟
البيت ده هيتباع، وكل واحد يروح لحاله. ومن اليوم ده، ما لكيش أخت اسمها هدى، ولا ليا أخ اسمه شريف. أنت أخدت نصيبك من زمان من دم رجلي، والنهاردة أخدت بقية حسابك من كرامتك.
مسكت علبة الدقيق الصاج تحت دراعي، وسحبت شنطتي، ومشيت ناحية الباب.
هدى! استني يا هدى عشان خاطر أمي! صرخ شريف وهو بيمشي ورايا.
وقفت عند الباب من غير ما ألتفتله أمي هي اللي قالتلي أعمل كده يا شريف.. أمي في الجواب كاتبالي لما تاخدي حقك، اقفلي الباب وراكي وما تبصيش لورا تاني.
فتحت الباب وخرجت. الهواء بره كان بارد ونظيف. مسكت علبة الدقيق البيضا اللي مرسوم عليها ورد
أزرق باهت وبصيت عليها. العلبة كانت فاضية، بس صدري لأول مرة من سنين كان مليان راحة. أمي ما سابتنيش، أمي كانت بترعاني حتى وهي تحت التراب. وقفت في منتصف الشارع، ورفعت رأسي للسما، وقولت بصوت خفيض حقك وصل يا أمي.. والسر اتكشف.
تمت.. مشيره محمد