الفاشلة

لمحة نيوز

ألقى المذيع كلماته الأخيرة قبل الإعلان، بينما ساد الصمت أرجاء الصالة. كانت ندى تطالع الشاشة بعينين تلمعان بالترقب والمباهاة، تدور بكوب العصير في يدها وتنتظر أن ترى "الأيقونة" التي طالما حكت عنها في اجتماعات الشركة، المرأة الغامضة التي كانت ندى تعتبر التحاقها بشركتها ذروة نجاحها المهني.

​أما أمي وأبي، فكانا يتابعان في صمت ثقيل، وعيونهم تنتقل بين جهاز التلفاز المضيء وبيني؛ أنا التي أقف عند حافة الغرفة، أحتضن ياسين الذي بدأ يهدأ رويدًا رويدًا، وتتردد في صدره تنهيدات قصيرة من أثر البكاء. كانت العلامة الحمراء على ساقه الرقيقة تغلي في دمي، لكنها لم تعد تحرقني كعادتها.. بل كانت الوقود الذي أطفأ آخر ذرة تردد في نفسي.

​صوت الموسيقى الوثائقية الصادرة من الشاشة بدأ يتصاعد، واقتربت الكاميرا من مكتب عريض مصمت من الخشب الداكن، عليه أدوات خياطة تقلتها أيدٍ محترفة، ومجموعة من اللوحات المعمارية وخطوط التصميم الراقية.

​قال المذيع بنبرة جادة:

— "من قلب ورشة صغيرة لم تتعدَّ بضعة أمتار، وبفكر يرفض القيود الأكاديمية التقليدية، استطاعت هذه الشابة أن تبني منظومة كبرى، وتتحول من مصممة خفية إلى صاحبة الإمبراطورية المالية والأزياء الأكثر نموًا في المنطقة.. (نوفالكس)."

​تحركت الكاميرا ببطء، وتصاعدت أنفاس ندى في الصالة.

التفتت إليّ ندى بسخرية سريعة قبل أن تنظر للشاشة مجددًا وقالت بصوت خفيض:

— "شوفي.. شوفي الناس اللي بتفهم، مش اللي قاعدة بتخيط بقايا قماش في البيت!"

​لم أرد. اكتفيت بابتسامة هادئة وأنا أعدل وضعية ثوب ياسين الكشميري.

​وفي تلك اللحظة بالضبط، استدار الكرسي الفخم الظاهر على الشاشة.

​ظهرت الملامح كاملة.

وجه أسمر هادئ، عيون حادة لكنها مفعمة بالثبات، وشعر مرفوع بإنعام غير متكلف. لم تكن هناك مساحيق تجميل صارخة، بل حلقة من الضوء تسلط على نفس الوجه الذي كان يجلس قبل لحظات في آخر المائدة، عند ذيل القائمة، بجوار الأطفال.

​كتب على الشريط الأخباري باللون الأصفر العريض:

"المهندسة مريم عبد الحميد (م.ع) — المؤسس والمالك الرئيسي لمجموعة شركات نوفالكس."

​صمت العالم.

​انقطع الصوت في الصالة تمامًا، وكأن أحدهم كتم أنفاس الجدران.

​سقط كوب العصير من يد ندى. لم ينزلق، بل سقط كأن أصابعها فقدت قدرتها على القبض فجأة. انسكب العصير على السجادة المزركشة، ودار الكوب الزجاجي دورة بطيئة ثم استقر عند قدمي أبي.

​استدارت أمي بنصف دورة، واتسعت عينها بطريقة مرعبة، تحاول أن تقارن بين الصورة المكبرة على الشاشة بحجم أربعة وخمسين بوصة، وبين الفتاة التي تقف عند باب الصالة وتحمل طفلها بجمود.

​قالت أمي بصوت مبحوح كأنه يخرج من بئر سحيقة:

— "مـ.. مريم؟"

​أما أبي، فقد كانت نظرته أثقل من الجبل. حاول أن يقف، لكن ركبتيه لم تسعفاه، فظل مسمرًا في مقعده، تنظر عيناه المجهدتان إلى الشريط المكتوب عليه اسمي الثلاثي كاملاً.

​تحدث المذيع على الشاشة مجددًا:

— "في هذا اللقاء المثير، تعلن المالك الرئيسي لمجموعة (نوفالكس) عن توسعات بقيمة مليار جنيه آخر، وتؤكد أن سبب غيابها عن الأضواء لسنوات كان الرغبة في بناء عمل حقيقي بعيدًا عن الضوضاء العائلية والاجتماعية.."

​ضغطت على زر إيقاف التشغيل في جهاز التحكم.

اسودّت الشاشة.

وعاد الهدوء ليخيم على الشقة، لكنه لم يكن هدوءًا عاديًا.. كان كالصمت الذي يعقب انفجارًا مدمرًا.

​وضعت جهاز التحكم على الطاولة القريبة بخفة. مسحت على رأس ياسين الذي نام من الإرهاق، ثم نظرت إلى ندى.

​كانت ندى تتنفس بصعوبة، وجهها شحب حتى صار بلون الجدار، شفتها السفلى ترتجف، وهي تحاول أن تجمع شتات أفكارها. النظرية التي عاشت عليها سنوات — أن اختها الكبرى هي القمة وهي القاعدة — انهارت في ثانيتين.

​قلت بصوت عامي هادئ، خالي من أي نبرة انفعال أو صراخ:

— "إيه رأيك يا ندى؟ الإمبراطورية اللي قيمتها خمسة مليار جنيه.. طلعت مش محتاجة ماجستير عشان تتعمل. محتاجة بس عقل يعزل نفسه عن الكلام الفاضي."

​قامت ندى بتلعثم، وصوتها يخرج مقطعًا:

— "أنتِ.. أنتِ بتعملي إيه؟ ده.. ده فبركة؟ أنتِ متفقة مع حد؟ ده مش معقول!"

​ابتسمت وخطوت خطوة واحدة للأمام:

— "فبركة؟ التلفزيون رسمي يا ندى. والشركة اللي أنتِ شغال فيها بقالك سنة وتتباهي إنك مقبولة فيها بعد طعن وتوسلات.. أنا اللي مضيت على قرار تعيين مدراء القطاعات فيها. وأنتِ مجرد موظفة في قسم التسويق الفرعي.. يعني تحت إيد مدير، والمدير تحت إيد رئيس قطاع، ورئيس القطاع بياخد أوامره مني."

​امتقع وجه أبي، وقال بنبرة مرتجفة يحاول بها استعادة سلطته المفقودة:

— "مريم.. إيه الكلام ده؟ إزاي تخبي علينا حاجة زي دي؟ إحنا أهلك! إحنا اللي.."

​قطعت كلامه بنبرة ثابته، ودون أن أرفع صوتي:

— "أنتم أهلي؟ أنتم اللي قعدتم تسع سنين تقنعوني إني فاشلة؟ أنتم اللي كل ما أدخل البيت أسمع كلمة 'شوفي أختك جابت إيه وأنتِ عملتي إيه'؟ أنتم اللي حطيتوني في آخر الترابيزة مع العيال الصغيرة عشان شايفين إني ملهمش لازمة؟"

تم نسخ الرابط