الفاشلة

لمحة نيوز

​دمعت عين أمي، وقالت بصوت متوسل لم أسمعه منها طوال حياتي:

— "يا بنتي.. إحنا كنا بنشجعك.. كنا عاوزينك تبقي حاجة.."

​ضحكت ضحكة قصيرة مريرة:

— "بتشجعوني؟ لما كنت أنزل اشتغل من الساعة سبعة الصبح في ورشة وسط البلد عشان أتعلم قص القماش، وارجع أسمع منكم كلام زي 'أهو بتقلل من نفسها'؟ لما سبت كلية التجارة عشان أبدأ مشروعي وبدل ما تفهموا طموحي قاطعتوني واعتبرتوني عار العيلة؟ التشجيع عندكم كان الشتيمة والتقليل يا أمي. الصورة دي أنا اللي سبتها تكبر في عيونكم.. عشان كانت بتحميني من حقدكم ومن زنّكم."

​التفتت إلى ندى، التي كانت تقف مذهولة، تفرك يديها برعب.

​قلت لها وأنا أنظر في عينيها مباشرة:

— "أما بالنسبة ليكي يا دكتورة ندى.. فـ (نوفالكس) فعلاً شركة ليها مكانة وسمعة، وما بياخدوش أي حد. وعشان السمعة دي مهمة عندي جداً.. بكرة الساعة تسعة الصبح لما تروحي الشغل، هتلاقي جواب رفصلك جاهز على مكتبك."

​صرخت ندى بصوت هستيري:

— "تصليني؟! أنتِ بتستغلي سلطتك عشان تنتقمي مني؟! عشان كلمة قولتها على السفرة؟!"

​اقتربت منها خطوة، وانخفض صوتي ليكون كالسكين:

— "أنا مابنتقمش يا ندى. أنا بطبق قواعد الشركة. الشركة بتدور على ناس سوية.. والست اللي تمد إيدها تضرب طفل عنده تلات شهور عشان بيعيط، وتسيب علامة حمرا على جسمه الصغير لمجرد إنها محروقة منه ومن أمه.. دي ست معندهاش أي اتزان نفسي. وأنا ما بآمنش أحط شغلي في إيد حد مريض بالقسوة دي."

​قالت أمي وهي تقف بسرعة وتحاول الإمساك بيدي:

— "عشان خاطري يا مريم! بلاش خراب بيوت! اختك شقية في الماجستير عشان توصل للشركة دي! سامحيها عشان خاطري، ده شيطان ودخل بينكم!"

​سحبت يدي بهدوء شديد، ورجعت خطوة للخلف:

— "الشيطان كان قاعد على الترابيزة دي من سنين يا أمي، وأنتم اللي كنتم بتأكلوه من نفس القشعة. لما ندى شدّت ثوب ابني وقالت عليه بقايا قماش، محدش فيكم قالها عيب. لما ضربته على رجله وصوت الضربة رن في الأوضة، حطيتوا وشكم في الأرض وقلتم 'علميه يتربى'.. طفل عنده تلات شهور يتعلم يتربى؟! ولا أنتم اللي محتاجين تتعلموا يعني إيه إنسانية؟"

​نظر أبي إلى الأرض، وساد صمت ثقيل لم يقطعه إلا صوت أنفاس ندى المتسارعة.

​قال أبي بصوت خافت خالي من القوة:

— "يا مريم.. اللي حصل ده عين وعقل طاشوا.. اختك كانت بتتكلم بغرور والذنب ذنبنا إحنا إننا فرقنا بينكم.. بس ما توصلش إنك تقطعي عيش اختك وتفضحينا قدام الناس."

​رددت بنبرة صلبة كالحديد:

— "قطع العيش لما أظلمها. لكن أنا بديلها درس في حجمها الطبيعي. هي فاكرة إن الخمسة مليار دول جم من الشهادات والألقاب الفاضية.. مكنتش تعرف إنهم جم من بقايا القماش اللي كانت بتستهزأ بيها. الثوب الأزرق اللي على جسم ياسين ده.. معمول من أردأ عينة قماش استخدمناها في خط الإنتاج الجديد، ومع ذلك الحرفة صفاها.. تمامًا زي ما الصبر صفاني وخلاني أقف قدامكم النهاردة وأنا مش محتاجة لأي حد فيكم."

​نظرت ندى إليّ بكسرة لم أره فيها قط، وقالت بنبرة خافضة كادت تكون رجاءً:

— "مريم.. أنا.. أنا آسفة. مكانتش أقصدي.. أنا بس كنت متوترة من الشغل و.."

​— "متوترة فتضربي حتة لحمة حمرا؟" قطعتها بسرعة. "آسفك دي قوليها لنفسك وأنتِ بتبدوري على شغل جديد بشركة تانية.. لو لقيتي شركة تقبل تشغل حد اتربي على الفوقية الكذابة."

​عدّلتُ وضع الخمار على رأسي، ثم رفعتُ ياسين أكثر على صدري. كان يغط في نوم عميق، وأنفاسه الدافئة تتصاعد وتمسح عن قلبي رواسب سنوات طويلة من القهر والظلم.

​التفتُّ نحو الباب الخارجي للشقة.

​قالت أمي وهي تخطو نحوي بلهفة:

— "أنتِ ماشية يا مريم؟ مش هتتسحري معانا؟ ده أول يوم رمضان!"

​التفتُّ إليها عند العتبة، ونظرتُ للبيت كله؛ للصالة التي شهدت صغري، للترابيزة التي طالما جلستُ عليها وأنا أستمع لتقليلهم من شأني، وللوجوه التي لم ترحم ضعفي يومًا.

​قلت بابتسامة هادئة ورزينة:

— "رمضان كريم يا أمي.. بس السفرة دي مش مكاني. أنا مكاني فوق.. فوق قوي، المكان اللي بنيته بإيدي ومن غير فضل من حد فيكم. والبيت ده.. أنا دخلته النهاردة عشان أرد حق ابني، وخارجة منه وأنا أخيرًا حرة."

​فتحتُ الباب الخارجي. كان هواء الليل العليل يندفع من السلم حاملًا رائحة المسك والبخور الرمضاني من بيوت الجيران.

​خطوتُ إلى الخارج، وقبل أن أغلق الباب، التفتُّ لندى وجمال ذهولها ينعكس في النور الضعيف:

— "بالمناسبة يا ندى.. بقايا القماش دي هي اللي عملت الإمبراطورية.. ياريت تفكري في الجملة دي وأنتِ بتبعتي السيرة الذاتية بتاعتك للشركات التانية."

​أغلقتُ الباب بهدوء دون أن أرزعه.

​صوت الإغلاق كان ناعمًا، لكنه كان ينجم عنه نهاية فصل كامل من حياتي. أخذتُ نفسًا عميقًا وملأتُ رئتي بالهواء النقي، وأنا أنزل الدرج بخطوات ثابتة وواثقة، وياسين بين أحضاني. لم أعد مريم الضعيفة، ولا الفتاة التي تتركهم يصدقون كذبتهم. لقد خسروا ابنتهم، وخسروا كبرياءهم، وجمعتُ أنا كرامتي وحقي في ليلة واحدة.

تمت.. روايات مشيره محمد 

تم نسخ الرابط