كامله لمشيره محمد
الظابط ابتسم ابتسامة باهتة وقال لي:
"أحمد جوزك بره.. بقاله ساعات بره القاعة، بيعيط وبيمثل دور الزوج المكلوم اللي هيموت من القلق عليكي، وبيطالب إنه يدخل لك فوراً.. بس إحنا مانعين خوله بتوصية من الدكتورة منى."
"هو فعلاً كان بيسممني يا حضرة الظابط؟!"
الظابط شريف قعد على الكرسي جنب السرير، وطلع أجندة صغيرة وقال:
"تقرير الطب الشرعي والمعمل الجنائي مبدئياً بيأكد إن المادة اللي اتقتلت بيها أنسجة رجلك مش حاجة بتيجي من جرح عادي.. دي بكتيريا نادرة جداً ومُصنعة.. والتقرير الطبي بيقول إن السخونية اللي جاتلك دي كانت هتقضي على حياتك خلال ساعات لو ما كنتيش جيتي المستشفى.. بس السؤال يا ريم هانم: ليه؟ ليه زوج يعمل في مراته كده؟ فيه بينكم مشاكل؟ فلوس؟ ولايثة؟"
دموعي نزلت بسخونة على خدي.. افتكرت كل حاجة.. افتكرت طريقته الباردة لما كنت ببكي من الوجع.. افتكرت إصراره إنه يمنعني من الخروج.. وإلغائه للعربية.. وإصراره إنه يقطع عني الفلوس!
قلت له بصوت بيترعش:
"أنا ورثت عن بابا الله يرحمه أرض ومبلغ كبير في البنك.. أحمد بقاله سنة بيحاول يقنعني أكتب له توكيل عام أدارة، أو أبيع له الأرض عشان يدخل بيها مشروع.. ولما رفضت، بدأ يتغير.. بس معقولة الفلوس تعميه للدرجة دي؟! ده عايز يقتلني عشان يورثني!"
الظابط هز رأسه بفهم:
"الفلوس بتعمي النفوس يا مدام.. بس فيه نقطة غريبة في الموضوع."
بصيت له بخوف: "نقطة إيه؟"
"لما فحصنا المادة اللي في الجرح، الدكتورة قالت إن التسميم ده شغال بقاله أسبوع على الأقل.. إنتي كنتي بتاخدي أي مطهر أو كريم للجرح ده من أحمد؟"
افتكرت فوراً!
"أيوه! من أسبوع اتخربشت خربوش صغير في كعبي وأنا في المطبخ.. أحمد جاب لي مرهم وقال لي ده مطهر ممتاز وهيلم الجرح بسرعة.. وكان هو اللي بيغير لي على الجرح كل يوم بنفسه ويرفض يخليني ألمسه!"
الظابط شريف قام وقف، وعينيه لمعت بذكاء:
"تمام قوي.. المرهم ده هو وسيلة الجريمة.. إحنا محتاجين نجيب العلبة دي من الشقة فوراً قبل ما يتخلص منها.. بس أحمد بره، ولو حس إننا كشفناه، ممكن يهرب أو يخفي الأدلة."
"طب والحل إيه؟"
الظابط قرب مني وقال بنبرة هادية:
"الحل إننا نلعب معاه اللعبة.. هنعمل نفسنا مش شاكين في حاجة.. وهنسمح له يدخل لك هنا.. إنتي هتمثلي إنك لسة مش فاهمة حاجة، وإن الدكاترة قالوا لك إن ده مجرد تلوث شديد من الجرح.. هتحاولي تجرجري حكيه وتخليه يعترف أو يقول حاجة تفيدنا، وأنا هكون سامع كل كلمة من الأوضة المجاورة."
قلبي كان بيبض بسرعة مرعبة.. "أنا؟ أواجه القاتل ده وأمثل عليه؟!"
"متخافيش.. الأوضة كلها متراذبة، وفيه عساكر واقفين على الباب.. مش هيقدر يمس شعرة منك."
بعد عشر دقائق.. الباب اتفتح ببطء.
دخل أحمد.. وشه كان باين عليه التعب والتمثيل، وعينيه حمرا كأنه كان بيعيط.. قرب مني بلهفة مزيفة ورمى نفسه على السرير ومسك إيدي:
"ريم! حبيبتي! أخيرًا سمحوا لي أدخل لك! إنتي كويسة؟ أنا كنت هموت من القلق عليكِ!"
سحبت إيدي ببطء من بين إيديه وأنا بحاول أتحكم في رعشة جسمي:
"أنا حية يا أحمد.. بالعافية."روايات_مشيره_محمد
بص لي بخبث وقال بنبرة متوترة:
"إيه اللي الدكاترة قالوه لك؟ إيه الهبل اللي البوليس جاي يحقق فيه ده؟ الممرضة بره بتقول كلام غريب عن سموم وبكتيريا!"
بصيت في عينيه مباشرة.. العينين اللي كنت بظن إنهم أماني، ولقيت فيهم غل وتوتر مش طبيعي.. قلت له بصوت هادي:
"الدكاترة بيحققوا يا أحمد.. قالوا إن الجرح فيه مادة غريبة.. مادة مش ممكن تيجي غير من مرهم أو دوا اتحط على الجرح بقصد."
وشه اتغير تماماً.. ألوانه اتخطفت، والابتسامة المزيفة اختفت ليحل محلها وشم نظرة حادة ومرعبة.. قرب وشه مني وقال بصوت واطي وخبيث:
"دوا إيه وهبل إيه؟ إنتي شكلك السخونية أثرت على مخك يا ريم.. الجرح اتلوث عشان إنتي أهملتيه.. وأنا حذرتك تخرجي في البرد ده!"
"أنا أهملته؟ ولا المرهم اللي كنت بتموتني بيه كل يوم هو اللي عمل كده؟!"
أحمد سكت لحظة.. السكون في الأوضة كان يخنق.. وفجأة، ضحك ضحكة قصيرة وبشعة.. ضحكة واحد أتقفص وخلاص مابقاش فارق معاه حاجة.
قرب أكتر ومسك ذراعي بقوة وضغط عليه:
"إنتي فاكرة نفسك ذكية يا ريم؟ فاكرة إنك لما هربتي من الشقة وركبتي العربية هتنفي؟ إنتي كنتي المفروض تموتي في سريرك بالهادي.. تسمم دموي حاد، دكاترة الصحة يكتبوا إنه ناتج عن جرح مهمل، وأنا أكون الزوج المكلوم اللي بيستلم الجثة ويورث كل حاجة!"
جسمي كله اتجمد من صدمة الاعتراف السافر ده:
"أنت.. أنت بجد جالك قلب تعمل فيا كده؟ عشان الفلوس؟!"
أحمد زاد ضغطه على إيدي لدرجة إن الكانويلا جابت دم، وقال بشرّ وهو بيهمس في ودني:
"عشان الفلوس، وعشان الأرض، وعشان إنتي فاكرة نفسك أحسن مني ومستكبرة تكتب لي حاجة! بس للأسف يا ريم.. حتى لو البوليس هنا، العلبة اللي فيها المادة دي أنا رميتها في النيل وأنا جاي في الطريق للمستشفى.. مفيش دليييييل واحد ضد أحمد.. مفيش غير كلامك وكلام دكاترة، وأنا هطلع منها زي الشعرة من العجين!"
أول ما قال الكلمة دي.. الباب اتفتح باندفاع شديد!روايات_مشيره_محمد
دخل الظابط شريف ومعاه دكتورة منى وثلاث عساكر.. الظابط كان ماسك أجهزة تسجيل في إيده، وعلى وشه ابتسامة انتصار:
"مين قال إن مفيش دليل يا أستاذ أحمد؟"
أحمد اتنطر لورا وهو مرعوب ووشه اصفرّ زي الليمونة:
"أنتم.. أنتم بتتسنتوا عليا؟!"
الظابط شريف قرب منه وكلبش إيديه بسرعة واحترافية:
"اعترافك الصريح بالصوت والصورة جاب أجلك خلاص.. ده غير إن شقتك حالياً المعمل الجنائي بيفتشها، وعثرنا على سرنجات ومواد كيميائية في مكتبك المقفول قبل ما تفكر حتة المرهم ترميها في النيل!"
أحمد كان بيقاوم وبيصرخ وهو بيتسحب لبره:
"مش هتقدروا تثبتوا حاجة! أنا معملتش حاجة! إنتي السبب يا ريم.. إنتي السبب!"
صوته كان بيبعد ببطء في الممر، لحد ما اختفى تماماً ورا أبواب المستشفى..
بصيت للسقف وأنا باخد نفس عميق لأول مرة من أيام.. حاسة بآلام جسمي ورجلي الملفوفة، بس حاسة بأهم حاجة كانت ضايعة مني.. الحرية، والتنفس من غير خوف.
قربت الدكتورة منى مني وحطت إيدها على كتفي حنية:
"خلاص يا ريم.. الكابوس انتهى.. ودلوقتي نركز في علاجك عشان ترجعي تقفي على رجلك من تاني."
ابتسمت لها بدموع.. ومسكت إيدها وقلت:
"الحمد لله.. الحمد لله إني سمعت صوت عقلي وهربت في اللحظة الأخيرة."
تمت مشيره محمد